مجنون حي تل اللوز

by مي كالوتي

 

ظهر هكذا دون أن ينتبه أحد لتوقيت ظهوره أو مكان انبثاقه؛ طاقية صوفية منتّشة في أكثر من مكان، تغطي شعره المغبرّ بغير اهتمام، وجهه المشحبر وأسنانه الصفراء، حذاؤه البني المثقوب عند إصبعه الوسطى، بنطاله الجينز بكل طبقات الأوساخ التي عليه، ملابسه الممزقة من كل مكان، معطفه الصوفي الذي يلبسه صيف شتاء. حتى الاسم الذي عرفه الجميع به، لم يفكر أحد كيف ومن أين جاء. عيسى أبو سنان دهب، مجنون حي تل اللوز.

معظم أهل الحي كان يحاول استمالة عيسى ليأكل في بيتهم أو يجلس بينهم، فهو حسب اعتقاد العجائز “جالب للبركة والحظ”، فيما كان لآخرين وسيلة للتسلية. يسألونه بهمز ولمز “ليش ما بتتجوز يا عيسى؟” يجيب هو بخجل “بخاف أخلف أرانب”، فتتعالى الضحكات وتتناقل الغمزات بين الحاضرين. أما أولاد الحارة فكانوا ساخرين من وجوده، ينادونه بأصواتهم الصغيرة “عيسى أبو سنان دهب، مجنون قليل أدب”، فيما كان هو يقفز خلفهم كاشفاً عن أسنانه الصفراء، فيفرون راكضين في أزقة الحارة خوفًا من أن يمسك بأيّ منهم. في المرة الأخيرة التي تمكن فيها من ابن الفرّان، رفعه فوق رأسه ورمى به في حاوية الزبالة.

هذه الحاوية وغيرها كانت ملجأ عيسى اليومي، ولا يعرف أحد لِمَ هذا الشغف بفتح الأكياس القذرة ونكشها. يبدو أنه كان ينتظر كيس بيت الجواهري بفارغ الصبر، إذ يركض مسرعاً ما أن يرمي سائق المنزل الكيس في الحاوية، مليئاً ببقايا الأكل، أو ملابس بحالة جيدة، وأحياناً دمى دون أيدٍ، وبعض التُحف بأجزاء مكسورة. وعيسى لم يكن ليأخذ أياً منها، ما أن ينبش محتواها. حتى كيس زبالة الكندرجي أبو حسن بضعفه وقلة ما يحتويه، كان يثير اهتمامه وفضوله، وكأنه في كل كيس ينبشه حتى آخره، يبحث عن شيء معين فقده في ذلك المنزل بعينه، وينتظر خروجه مع زبالته.

حي تل اللوز عبارة عن تلتان سكنيتان متقابلتان تتوسطهما منطقة صناعية، كثيراً ما تناقل سكانها احتمالية إزالتها، ليحل مكانها أسواق تجارية ومتنزّه للأطفال. ومنذ اندلاع شرارة تلك الإشاعة في ثمانينيات القرن الماضي، والحي يزداد اكتظاظاً، ودكاكين قطع السيارات وورشات الحدادة والنجارة ومغاسل الملابس تتوالد باطراد. وكما أغلبية أحياء المدن الكبيرة، أصبح الحي أكثر استقلالية مع عدد لا بأس به من دكاكين البقالة وأفران الخبز ومحال الخضار.

للحي شارعان رئيسيان اختار عيسى أحدهما ليصوله ويجوله طوال النهار، حيث يقضي يومه ذهاباً وإياباً أمام البيوت والدكاكين، يدخل حاوية ويخرج من أخرى، يقف ليراقب المارة -أو هذا ما يبدو عليه-، يحدثه البعض عن يومه، تُدخله بعض النساء ليتناول الغداء، يقيه أصحاب الدكاكين من برد الشتاء أو حرّ الصيف، إلى أن اختفى فجأة ذات يوم وقت الغروب.

*

أهلكت موجة الحر في حزيران ٢٠١٢ أهل الحي ولم يبدأ الصيف بعد. انقطاع للمياه في الجزء الأوسط من الشارع، والتذمر بادٍ على أبو كاملة صاحب مغسلة الملابس الكبيرة. لم ينزل الهاتف من يديه -المشكشكة بالخواتم الذهبية- وهو يتصل في البلدية ليعرف سبب انقطاعها. تطل أم سعيد من شباك البيت لتتأكد أن انقطاع المياه يطال الجميع وليس بيتها فقط؛ فواتيرها غير المسددة مُزِّقت ورُمِيت مع زبالة المنزل قبل أربعة أشهر.

أما طعام الغداء في بيت الخضرجي فلم يلقَ رضى أولاد البيت، وتدل عليها كمية يخنة القرنبيط الكبيرة المرمية في كيس زبالة المطبخ، مع أنها في الحقيقة لا بأس بها، فأبو فلاح لم يتوقف عن تغزل بها تارة، والتغزل بأم فلاح تارة أخرى وهما يتناولانها على الغداء. كما وأنه في العادة، أولادهما الأربعة البغال لا يتوقفون عن الأكل، وأسباب خسارة الدكان الصيف الماضي تعود لكثرة أكلهم الخضار نيئة أثناء عملهم. من الجيد أن أبا فلاح تدارك ذلك فطردهم وعيّن شاباً نحيلاً، في حين ذهب أربعتهم ليجربوا حظهم في سوق العمل عند الإسرائيليين. هم يدفعون لهم حسب القانون، ورغم ذلك يعودون في المساء هالكين. الاسرائيليون يحرثون على ظهورهم مقابل كل شيكل يدفعونه لهم.

وأولاد أم غالب الخياطة المساكين لم ينزلوا للعب اليوم، فبعد عراكهم أمس، حبستهم أمهم حتى لا يتسببوا بمزيد من المشاكل مع جارهم، فهي وحدها لن تستطيع الوقوف في وجه وجاهات أهل الحارة. بعد أن ترمّلت أصبحت دون ظهر يحميها، وإذا ما تمكن أي من أبنائها الخمسة -رغم ضعفهم- من ابن الجواهري الدلوع السمين المغرور، لا بد سيتركونه بعدها طريح الفراش لأسابيع، وهي ليست قادرة على عطوات بآلاف الشواكل.

لا يحتوي كيس الكندرجي أبو حسن إلا على قشر البصل. شوربة العدس لم تنقطع من بيته حتى في أيام الصيف القائظ هذا. كان خارجاً من المحمص وبيده كيس كبير من العدس الأحمر، وحين دعت زوجه عيسى لتناول صحن صغير من الشوربة رفض، وبحزن حدثت نفسها “حتى المجنون ما بده عدس”.

لقد نسيت سميرة الأميرة مفتاح البيت في الداخل وأغلقت الباب من الخارج وهي تثرثر مع جاراتها الغيورات. ولأن النخوة دبّت في عروق شباب الحارة، تدافعوا لعرض المساعدة عليها، منهم من عرض كسر الباب، ومنهم من تبرع بالقفز من برندة لأخرى. ولأنهم أضعف وأجبن من أن يقوموا بذلك، أحضروا الخجول فادي ليدخل من منور العمارة ويتسلق تمديدات المجاري حتى بيتها في الطابق الثالث.

يسعى الجميع لإرضاء سميرة، فما تكشفه من صدرها وفخذيها كافٍ ليلتف حولها شباب الحارة وعجائزها. حتى عيسى بالحالة التي عليها، لم يسلم من تحرشاتها وهي تنزل لترمي كيس زبالتها في حاويته المفضلة، وحين فتح الكيس الذي رمته بغنج، وجد على وجهه واقِ ذكري جديد، فيما غمزت له وضحكت ضحكتها الرقيعة قبل أن تصعد إلى بيتها.

فادي الشاب الخجول وجدها فرصة مواتية لدخول شقة سميرة، وقف يخبر أصدقاءه عن كمية العطور والمراهم الزكية المركونة على تسريحتها التي رآها، وكيف لم يقاوم شق الخزانة الذي فتحه ليرى قمصان نومها الشفافة، وتمادى في شرح التفاصيل وعيون رفاقه تتسع وتلمع من الإثارة، ولامهم على دقِّهم المستمر على الباب ليفتحه بعد أن دخل إلى الشقة، إذ كان في خضم التأمل في شراشف تختها الحريرية وخياله يسبح في تموجات سريرها الطري.

هذا فقط بعض مما يمكن قوله عن الحي تل اللوز، لحظة اختفاء مجنونه.

*

انشغل أهل الحي يومين أو ثلاث وهم يتناقلون أخبار اختفاء المجنون عيسى أبو سنان دهب. اختفى كما ظهر فجأة. منهم من رجّح موته بحادث سير في مدينة مجاورة. عجائز الحي اعتبروا اختفاءه غضباً من الله لأنهم لم يستحقوا “بركة” مثله. آخرون ارتاحوا لاختفائه معتبرين وجوده آفة وعلّة على المجتمع. ومنهم من شككوا في وجوده أصلا؛ “ربما هو شبح ما، اعتدنا وجوده بيننا”.

تمر ثلاث سنوات بعدها على اختفائه، حين يظهر للعلن كتاب بحث كبير بعنوان “دراسة للعلاقات الاجتماعية في حي مدينة كبيرة من خلال نفايات المنزل: حي تل اللوز نموذجاً”، للباحث د. عيسى أبو دهب. كان قد اكتشف وجود البحث طالب دخل هذه الجامعة هو من سكان هذا الحي. ورغم عدم وجود أسماء حقيقية فيه، إلا أن سكان الحي عرفوا المقصودين والمشار إليهم بأسماء مستعارة، وبدأت الفضائح تتناقل، وتتراشق الاتهامات حول القصص المروية.

عُرف أبو كاملة بكونه عميلًا، ولم يعد أحد يستغرب قدرته على حل مشاكل الحي مع الجانب الإسرائيلي. أم سعيد تسرق المياه من المغسلة، وحين عرف أبو كاملة بذلك ابتزها في إقامة علاقة جنسية معها. عرفت زوج الفران أن زوجها تزّوج عليها فطلبت الطلاق. انفضح بخل الخضرجي وعرف الجميع كمّ النقود التي يخفيها. سميرة الأميرة مريضة بالإيدز، وحين عرف فادي “الخجول” بذلك انهارت أعصابه ولجأ لمصحِّ ليهتم بحالته. عرف الجميع بزواج الجواهري من أم غالب الخياطة بالسرّ، واستفاد أبناؤها من ذلك بضربهم ابنه الدلوع على الطالعة والنازلة دون أن يحاسبهم أحد.

كثير من القصص الأخرى التي فضحها عيسى بقصد أو غير قصد، وتّرت كل العلاقات الاجتماعية في الحي، كما ثار أهل الحي على الجامعة لنشرها بحثاً بهذا الشكل، فيما اعتبر قسم الدراسات والأبحاث في الجامعة البحث قانونياً طالما لم يذكر الأسماء الحقيقية. أُنشأت صفحات على الفيس بوك لمقاطعة الباحث لإثارته الفضائح والنعرات بين أفراد المجتمع، وأخرى دعت لمعاقبته وترحيله حتى لا يفضح أحياء أخرى، أو كي لا يتسبب البحث في زعزعة ثقة الناس بمجانين الأحياء الأخرى، ولا يعود أحد يدخلهم لبيوتهم، وقليل آخر قدّم الدعم للباحث والبحث.

وبعد فترة وجيزة، حمل د. عيسى أبو دهب أوراق قبول استقالته من عميد كلية علم الاجتماع، لملم أغراضه من مكتبه وعاد إلى بيته، وضب آخر أشياء استخدمها ذلك الصباح في شنطة خفيفة، وضع معطف الصوف المهترئ فوق كل شيء، أغلق باب بيته، وانبثق أعمىً متسولاً في حي آخر في مدينة أخرى بعيدة.

 

 

كُتبت قصة “مجنون حي تل اللوز” كجزء من مشروع بيروت للقصص القصيرة و هو تعاون بين KfW Stiftung و معهد Goethe لتعزيز المواهب الأدبية الشابة في الشرق الأوسط, ويتضمن المشروع ورشات عمل للشباب الذين يكتبون باللغة العربية والذين يطورون القصص القصيرة تحت اشراف كتّاب مشهورين من بينهم عباس خضر و ديما ونوس. يتم بعد ذلك ترجمة أفضل النصوص ونشرها بالعربية و الانجليزية على موقع adda

 

About the Author

مي كالوتي

مي كلوتي من القدس ، درست الصحافة وعلم الاجتماع في جامعة بيرزيت ، وحصلت على درجة الماجستير في الإعلام الحديث من معهد الإعلام الأردني في عمان. عملت في صحيفة القدس كمراسلة ، وفي العديد من المؤسسات الثقافية كمنسق إعلامي. في عام 2011 نشرت كتابًا مشتركًا بعنوان “هاملت لا تشرب السم” ، كما نُشرت كتاباتها بشكل […]

Related Articles

adda open call: CLIMATE CHANGE

adda is looking for new writing on the theme of climate change. We are seeking poetry, fiction and – in particular – non-fiction. Deadline 31 January 2020.

Find out more