رَكْضٌ دائر ي

by هند جعفر

 

منذ عام تقريبًا، وبالتحديد ليلة الثامن والعشرين من أكتوبر، حلمت أني أركض خائفًا

داخل غابة دائرية مغطاة بالكامل بشجر متوسط الطول، مثلث الشكل، شذبته بعناية فائقة يد

بستاني ما؛ لم أقابله في حلمي حتى الآن، ولكن تنسيق الغابة المبالغ فيه خيله لي رجلاً حاذق

الصنعة بليد الذهن؛ جعل من شجر الغابة نسخًا مكررة شبيهة بمثيلاتها في الحدائق العامة.

لم يكن هناك من يطاردني، ولكن كثافة الشجر أنبتت متاهةً جعلت الركض ضروريًا،

دائريًا كان المشهد؛ تقابلني شجرة تحاكي أختها، فلا أعرف من أين بدأ منامي؟ رغم التنسيق

الواضح افتقدت الأشجار لمسافات بينها تسمح بالمرور بسهولة، لذا كان لزامًا على الأغصان

أن تلكزني أثناء ركضي اللاهث. تمثل لي الشجر مهيمنًا على المشهد بكامله، فلم أتبيّن أكان

الوقت ليلاً أم نهارً ا!

لم يكن لون الأوراق مألوفًا لعيني ، بنفسجيًا كان، وإن شئنا الدقة فقد اقترب من اللون

القرمزي؛ البنفسجي الممزوج بحمرة.. الحمرة في حلمي كانت مخيفة، مقبضة للنفس، لن

أخذلك وأصفها بحمرة الدماء، بل كانت للون الخمْر أقرب، تليق بأجواء حلم، رغم كل هذا

الحضور، ظلت غير معلنة لتماهيها في البنفسجي، حاكم المشهد بأكمله.

عندما تكرر حلمي ست مرات لم أنتظر السابعة، وحكيته لأمي طلبًا للمساعدة، كانت قد

حذرتني قبل ذلك من سْرد المنامات التي تزعجني، ردها دومًا ما يأتي باترًا، لتنهي ما قد ينشأ

من حديث مشترك حول الأحلام التي تهابها؛ اُتفُل تجاه اليسار وسيذهب لحاله، باستثناء هذه

المرة التي ألقتْ إلي سمعها

بشيء من الحزن لم أفسره. الحلم كله لا يبعث على الخوف

والتساؤل، بقدر ما يخلف شجنا.

اكتفت أمي بالقول إنها أضغاث أحلام، ثم عادت بعد سويعات، وسألتني بعد تفكير

خالفتْ فيه سلوكها الحاسم: ما الذي يزعجك في الحلم؟ أسرت لها أني في داخله أعاني خوفًا

أجهل سببه، كما أني لا أعرف وجهة أسلكها. أصحو دومًا لاهثًا، مبللاً بعرق غزير ، والدموع

تملأ عيني .

من الواضح أن بكائي داخل الحلم حقيقيًا. ما لم أقله لأمي أن المشكلة ليست في الخوف،

والبكاء، والعرق، بل كانت مشكلتي كلها في المتاهة، وما تخلفه من حيرة تلازمني فيما بعد

صحوي، بالإضافة إل أن الركض ينهك جسدي كله، في هذه الليلة تو قف الحلم عن زيارتي،

غاب عدة أيام ظننته فيها قد اختار الرحيل، الغريب أن أمي بعد أسبوع بالتمام والكمال قصت

علي تفاصيل غاية في الدقة، لم أكن قد حكيتها لها عن منامي المزعج، حتى إني لم أستجمعها

واضحة في عقل، كنت فقط أراها ماثلة أمامي، تفتقر التعبير، عصية على الإحاطة، فينتابني

عجز لإيجاد كلمات مناسبة تجعلها منطوقة، عرفت منها أنها بدأت تحلم به هي الأخرى كل

ليلة.

في البداية لم تعر الأمر اهتمامًا، ظنتها ألعابًا يمارسها عقلها الباطن، تحاكي ماسمعته مني،

كان الأمر مملاً حسب وصفها، ومخيفًا في بعض الأحيان كما كان بالنسبة لي، قفز الحلم إلي مرة

أخرى، ثم أخذ في التنقل بيننا كلما قصه أحدنا على الآخر، لم نعتد الأمر رغم تكراره، كنا نفكر

فيه نهارً ا، ونراه ليلاً ، وتضيع الأيام في انتظاره أو تجنبه.

الألوان في الحلم غير مريحة، مزعجة بدرجاتها الصريحة، عندما كلت أمي من الأمر تجنبتْ

الحديث معي تمامًا، وقصت منامها على أبي، وسرعان ما هجرها الحلم وعبر إل ضفة الوالد،

قالت بيقيّن: الحلم دائري مثل الغابة تماما، وحتى تتوقف لعنته نحتاج لمعرفة من أين بدأ؟ كان

قد بدأ في عقلي، بحثنا عما قد يكون محركًا له، ولكننا لم نهتد لعلة واحدة تمكننا من معرفة سبب

ما يحدث.

لم أ ولد موعودًا لا بنعمة ولا بلعنة، لم يرافق مولدي أ ي حدث غير عادي، حياتي الماضية

كانت وديعة مستقرة، لا يحمل أحد لي أو لأهلي ضغينةً ذات شأن، أو على الأقل هذا ما أعرفه.

حتى إن تاريخ زيارة الحلم لبيتنا بالشهور الهجرية والميلادية لا يثير أي تساؤل.

باختصار، كنت عاديً ا للغاية؛ عاديًا بشكل يصعب شرحه، لذا لم يكن أمامنا من حل

سوى الإذعان، والتناوب على تلقف الحلم، عندما يستبد التعب بأحدنا يحكي للآخر فتبدأ

أيامه بالدوران، لم يكن الحلم هو من يدور بيننا، كان مركز الدائرة، ونحن من نلهث في فلكه.

كنا أحيانًا ما نتكافل فيما بيننا؛ وقتما مرضتْ أمي تقاسمت مع أبي حصتها، وفي أيام امتحاناتي

أشفقتْ على فقامت بتحمل (منابي) عن طيب خاطر.

فكر أبي في حل خبيث، وافقنا عليه درءًا للشتات، ألح على أمي وقت استضافتها للحلم

أن تحكيه لزميلة لها عله يختار هجرنا؛ رد لنا الحلم الصاع صاعيّن، رفض بقوة الخروج عن

حدود أسرتنا الصغيرة، حتى للأهل المقربيّن الذين اقترحهم أبي، ففلت أعمامي، وأخوالي،

وأزوا جهم، وأولادهم من هذا الفخ ، حتى زملاء دراستي وجيراننا فلتوا هم أيضًا، لم نترك

أحدً ا، حتى وصل بنا الحال لمهاتفة برامج مفسر ي الأحلام، وحكينا حلمنا على مسمع من

الملاييّن، ولكنه صمد وظل يتبختر بيننا نحن الثلاثة فحسب.

في يوم ما جمعنا أبي، تحاشى النظر إلينا، كان يحدثنا ويكتب في ورقة أمامه أرقامًا كثيرة،

قال: إن الحل الوحيد لوقف هذا العبث أن يتفق اثنان منا على قتل الثالث حيّ يكون الحلم في

معيته، وهكذا يستطيعا النجاة، وفتح منفذ في الدائرة، وافقته أمي سريعًا، كذلك فعلت أنا؛

حتى لا أخرج من اتفاقهم الملعون.

كنت أحيانً ا أحدث نفسي بأني سأنجو كوني ولدهما الوحيد، ولن يستطيع أحدهما قتْل،

غريزتا الأبوة والأمومة ستنتصران لا محالة، هكذا فكرت. ولكن إدراكي أن اللعنة ترعرعت

في عقلي كان يقضي على كل أمل لي في النجاة، كنت أعرف أن كل واحد منهما يفكر هو الآخر،

وإن كانت الحسابات مختلفة، منذ اتفاقنا وكل منا يحكي حلمه و يحذر من رفيقيه ستة أيام

كاملة، لا يعرف أحد منْ سيتفق مع منْ ؟ ومتي؟ كل ما نعرفه أن الدائرة ستفتح عند سيء

الحظ.

 

 

كُتبت قصة “ركض دائري” كجزء من مشروع بيروت للقصص القصيرة و هو تعاون بين KfW Stiftung و معهد Goethe لتعزيز المواهب الأدبية الشابة في الشرق الأوسط, ويتضمن المشروع ورشات عمل للشباب الذين يكتبون باللغة العربية والذين يطورون القصص القصيرة تحت اشراف كتّاب مشهورين من بينهم عباس خضر و ديما ونوس. يتم بعد ذلك ترجمة أفضل النصوص ونشرها بالعربية و الانجليزية على موقع adda

 

Illustration by Ghada Khalifa

About the Author

هند جعفر

  ولدت هند جعفر عام 1985 ، وهي كاتبة وأكاديمية من الإسماعيلية. تعمل حاليًا في قسم المخطوطات في مكتبة الإسكندرية. قامت مؤخرًا بنشر قصة قصيرة بعنوان “النفس المطمئنة” في مجموعة “كتاب القاهرة” من القصص القصيرة التي نشرتها كوما بريس في عام 2019 ، والتي كانت قصة من مجموعتها الأولى التي نشرت في عام 2015 من […]

Related Articles

adda open call: CLIMATE CHANGE

adda is looking for new writing on the theme of climate change. We are seeking poetry, fiction and – in particular – non-fiction. Open for submissions soon, deadline 31 January 2020.

Find out more