أحمر… لامع… یسرّ الناظرین

by اسراء مقيدم

عاریة تمامًا كانت تقف داخل الواجهة، ورغم ذلك تبدو في كامل زینتها. لیست المرة الأولى

التي یلمحها فیها، فشعرها الأحمر المنسدل یكسبها بهاءً عن مثیلاتها الحلیقات. إلا أن ما تسبب

في التجمهر هذا الصباح هما ثدیاها المتكوّران اللذان أباحتهما للمرة الأولى.

التقطته الضحكات العالیة من حیث یسبح منكبًا فوق الرصیف، مثلما یفعل كل یوم، لتجذبه

كمغناطیس، وتجبره على العبور للجهة المقابلة حیث التجمهر. أمام المعرض، وعلى مسافة من

الرؤوس المتزاحمة، حاول تأمین مساحة تسمح له بمتابعة العرض دون التورط فیه.

بعكس الشباب، لا یرى في مانیكان خشبیة أي شيء مثیر، لكن مع كل هذا الصفیر، آثر التوقف

قلیلًا لمتابعتهم، بدوا له في تلك اللحظة كأوعیة حلیب أبیض، تجاوز كل منهم درجة الغلیان دون

أن یرفعهم أحد عن الموقد.

 

تغلي أوعیة الحلیب الصابح، فیفور الواحد بعد الآخر، وتنسكب الرغبات على الأرض منهزمة

أمام الأحمر الصاخب. لا یریحه المشهد برمته، بدا الأحمر دخیلًا، ثوریًا بما لا یلیق بملامح

متخشبة كتلك. بدل نظره للمرة الأولى عن الشباب لیتأمل التمثال عن قرب.

 

مرفوعة عن الأرض عدة سنتیمترات، بكفین مرتخیتین، وجسد متقن الصنع لولا أنه خشبي،

تسبح عیناه في معالمها قلیلًا قبل أن تصطدم بعنف بذلك الحبل الملتف حول عنقها. كانت تمتلك

قدمًا مكسورة، ومن بین كل الحلول المنطقیة، لم یفكر صاحب المعرض في وسیلة ینأى بها عن

وقوف غیر متزن، سوى أن یعلقها من عنقها في الخرطوم المتدلي من مبرد الهواء. كان المشهد

صادمًا بدرجة عزلته عن ضحكات الشباب الفائرین، تداخلت أصواتهم وذابت تمامًا في الخلفیة،

أحس برودة تجتاح بدنه، كما لو كان هو الذي یقف عاریًا، وتبدلت خفة ارتقاء قدمیها عن

الأرض في نظره، اكتسب جسدها ثقلًا ما، ثقلًا أجبره على تحریر ربطة عنقه قلیلًا، قبل أن

یلملم ارتباكه، وینسحب بعیدًا عن التمثال.

 

بعكس الأحمر الزاهي، الحیاة في البنك مكسوة بالرمادي. یغطي كل شيء، الجدران والنوافذ،

الأبواب والأسقف، رمادي كثیف وممل یزحف في تئنٍ لیطفو فوق كل شيء، حتى بدلته التي

یرتدیها للعمل، والتي كانت سوداء ذات یوم ثم انسحب لونها تدریجیا مع كل غسلة، لتتماهى مع

المكان.

 

من وراء الحاجز الزجاجي حیث یجلس، كان یتأمل قاعة انتظار العملاء. لا یحب عمله غیر انه

لا یعرف ماذا یفعل لو تركه، یستعیض بموقعه كموظف شباك، ویراقب العالم من وراء نافذة

زجاجیة. فیما مضى، أیام الجموح، كانت حواجز الشباك تذكره باسطبلات الخیول، ولكن مع

تقدمه في العمر نجحت الأیام في ترویضه.

انتشلته زفرة من أحد العملاء تطالب باستعجاله، فباشر العمل. غیر أنه لم یفلح في إخراج

المانیكان من رأسه بینما یفكر أن عرضه، خلف الواجهة، لا یؤمن له أكثر من دقیقتین من انتباه

الجمهور.

 

نهض من مقعده لیختم بعض الأوراق، وعندما عاد، كان التجمهر یزداد حول الشباك

حاول عبثا إزاحة صورة المانیكان المشنوقة من رأسه، فتأفف عمیل آخر، تذكر عنقها والحبل

الملفوف حوله، فأحس بالاختناق، حرر ربطة عنقه قلیلا مما زاد من زفرات العملاء لتباطئه.

تأرجُح جسدها المعلق في مخیلته یشعره بثقل ما في قدمیه، كما لو أنهما مدقوقتین في الأرض.

أراد التأكد، فرفعهما، أرجحهما في الهواء، واتكأ بحمولة جسده على كرسیه، فتفكك من تحته،

وهوى به تحت أنظار تجرده من كل شيء، اندفعت ضحكات الشباب الصباحیة، اكتسبت رؤوسا

مدببة واخترقت طبلة أذنه بقسوة مدویة، فأحس مرة أخرى بالبرودة تجتاحه.

 

*

 

“انا عایز الخشب بس”

بمعاناة، نجح في تسلیك ردًا من حنجرة تجید إحكام قبضتها على الكلمات، إلا أن ما ظنه

توضیحًا، وصل للسیدة ملتبسًا شائبًا، ومرتدًا إلیه بنظرات شك.

كانت قد أخبرته بسعر الرداء الذي وجده مغلّفا التمثال، یزید قلیلًا عن راتب مدیره، استدار

بكامل جسده للمانیكان، تأمل تداخل انعكاس أتربته الرمادیة مع بیاض الرداء المسجي، كاد یقع

في الفخ لولا أنه مد یده في جیبه فتلمّس خوائه.

أزاحت المرأة مقعدها محدثًة صریرًا یشبه جرس الإنذار، فأجابها بجملته، مخلّصا نفسه من

الشبكة الحریریة التي نسجها الرداء الأبیض.

 

یقرأ في عینیها اتهامًا، فیُبرىء نفسه : “ترزي حریمي” . تجادل ..تماطل.. ثم تتخلص من

الموقف مثلما تهش ذبابة، وتسلمه التمثال عاریًا. یقف ملطوعًا أمامها فتفسّر : معندیش جراید

ألفهالك، شیلها كدا.

 

محتضنًا التمثال العاري خرج إلى الشارع، یتحسس طریقه برقبة مرتخیة، وذقن مستندة فوق

كتفها. تنتهكه نظرات المارة، ورغم أن التمثال هو العاري إلا أن أحدهم یوبخّه بأن یستر نفسه.

یواري رأسه في صدرها المحنط، ویتمنى ألا یلمحه الشباب. یستكمل المسیر بذهن شارد فیتعثر

في أفكاره، یكاد الطریق یخونه فیستوقف قدمیه ویعید تصحیح مكانة التمثال من فضیحة

لانتصار، یحملها فوق كتفه بدلًا من تحمیل ثقله على كتفها، ویشاغل نفسه بضرورة تقدیم طلب

لمقعد جدید بدلا من مقعده المكسور، سیتم تصعید طلبه دون عناء، ربما یكبله الروتین قلیلًا

لیستغرق الأمر أسبوعًا على الأكثر، لا بأس.

 

قربنا نوصل اهه”

قالها لنفسه لیفلت من شبكة أفكاره، هو موظف ملتزم وأقدمیته ستزكیه، یمكنه احتمال سبعة أیام

من الوقوف، عما قریب سیتسلم مقعدا آخر یعده بالجلوس المتمهل. فلا بأس، الأیام ستمر سریعا

وسینتهي الأمر قریبًا على كل حال، المهم ألا یراه أحد الآن وإلا ستكون فضیحة.

خطوات سریعة، تعثُّر، تأن، “هو النهاردة الخمیس؟” ، توقُّف، تمهُّل، ضحكات، “یا راجل یا

نجس” ، توقُّف ثان، تغییر وضعیة التمثال، ثم خطوات أكثر سرعة تختصر الطریق. من أین

تأتي البرودة في مایو؟ .

 

*

 

أخبروه أن الأمر سیطول. لأي درجة؟ لا أحد یعلم ولكنه سیطول. بعدها طلبوا منه ما یثبت

احتیاجه للمقعد، طلب منهم مراجعة كامیرات المراقبة، أرسلوا له أنها معطلة. أخبرهم أن رفاقه

شهودًا، فتعلّلوا أن استدعائهم للاستجواب سیعطل سیر العمل. أرفق ساقاً خشبیة مكسورة

بالطلب، فأعادوا له الطلب مرة أخرى لعدم احتواءه الدمغات. سألهم أن یحضر كرسیًا من

منزله، كحل مؤقت، فرفضوا بشكل قاطع حفاظًا على المظهر الجمالي للبنك، غیر أن التنقیب لم

یخرج أي جمال من تحت كل هذا الرماد، نفخ فیه طویلًا ولم یجد إلا أسمنت المنشآت الحكومیة.

ببطْ قاتل تزحف عقارب الساعة، ینقضي وقت العمل، ساعة تلو الأخرى، وهو لایزال واقفًا

على حاله. یتمم مهامه في صبر نافذ ویعود بعدها إلى البیت ممضیًا لیلته بصحبة المانیكان. على

الأقل قد أعتق رقبتها. یعاملها بفخر لا یفهم مصدره ویخلق تفاعلًا معاها للتسلي ، یلبسها ربطة

عنقه حینًا، وحلّته كاملة حینًا آخر، وفي كل الحالات یحرص على إبقائها جالسة، دائمًا جالسة.

 

یومًا بعد یوم تتأخر الإجراءات، یخاطب رئیسه المباشر فیكسب تعاطفه، یصعّد الشكوى

لمدیرهم الأعلى، یتفهم الأخیر ویعد بالمساعدة، ثم یسطو الروتین على ثلاثتهم. یعود للبیت خائبًا

لیجد التمثال في انتظاره، تشبه أمه أحیانًا، تحدیدًا نظرتها الآسفة عندما عاد إلیها بتمثال لفتاة

عاریة قبل عدة أشهر، یفك ربطة عنقه ویمیل على مقعد فیسقط في النوم، وفي الصباح ینطلق

لعمله، یجلس في مقاعد انتظار العملاء تارة، ومقاعد المراحیض تارة أخرى، ویعود مضطرًا

لصندوقه الزجاجي وقد تكدس طابور العملاء منزعجین. یرجع إلى البیت فینظر له التمثال

نظرة زوجة أحبطها ارتخائه، یعرّیه الخجل رغم أنه لم یتزوج أبدًا، فیدیر ظهره لها ویدفع نفسه

للسقوط في قاع النوم. یترك زوجته الخشبیة في البیت ویهرب إلى البنك، فیمر الوقت ثقیلًا على

جسده، تغادر عقارب الساعة أماكنها وتزحف إلى داخل رأسه من فتحتي أذنیه مع صوت الدق

المتواصل. تعبث العقارب بثنایاه فیحس عقله یتآكل تنمیلًا، یطلب إذنًا للرحیل، ویتعلل بتنمیل

قدمیه، یخرج من البنك فیلاحقه زحف العقارب، وفور وصوله، یحمل المانیكان ویضعها فوق

خزانته، یغطیها بملاءة، ویرقد في فراشه مستسلمًا، تاركًا العقارب تأكل ما تبقى من عقله.

 

*

 

 

“هتستنى لأول السنة المالیة عشان میزانیة السنادي اتقفّلت.”

رمته الموظفة بالخبر دون مراعاة، تخشّبت ملامحه ولم یعلّق، ومسافة وصوله لشباكه

الزجاجي، كان قد احترق داخلیًا عدة مرات حتى خرج الرماد من جوفه. هذه المرة غادر دون

تقدیم أي إذن ولم یعد طیلة الیوم، ولا الیوم الذي تلاه، وفي الیوم الثالث وقف الجمیع أمام قاعة

انتظار العملاء، بأعین خرجت من أماكنها، وأقدام قد التصقت بالأرض عنوة.

كانت كل الكراسي مكسورة، كراسي الموظفین والسعاة والعملاء، وحتى كرسي المدیر ذاته،

كلها قوائمها مخلّعة وملقاة في منتصف قاعة الانتظار. تجمهر الموظفون في هرج، یرقبون

القاعة التي تحولت فجأة لسیرك قوميّ، قبل أن یتقدم هو من بینهم، كساحر تدرب على فقرته

طویلًا، ویبدأ في مباشرة عرضه.

 

یخرج لفافة كبیرة بحوزته، یفض غلافها ویتناول ما بها، یجلس على أربع ویمسك بأحد

الكراسي المكسورة، یفتح حقیبته، فتكشف عن شاكوشًا حدیدیاً وبعض المسامیر، یتناوله ویبدأ

في الدق.

 

یدق مسمارًا فتثبت أقدامهم هم في الأرض، یواصل الدق فتغوص الأقدام أكثر، تشتبك مع البلاط

العاري وتلتصق به. لا یجرؤون على الحركة وقد تخشبوا في مواقعهم

“انت بتعمل ایه”؟

یسأله المدیر في ارتباك. لا یجیبه، فقط یرمیه بنظرة متحدیة ویواصل الدق.

ینتهي من عرضه فیعدّل من وضع الكرسي، یسحبه لموقعه وراء الشباك الزجاجي، یجلس علیه

ویباشر العمل، ومن تحته ینتصب كرسیه من فوق ثلاثة قوائم رمادیة، وساق رابعة خشبیة،

أنثویة، ذات قدم صغیرة بأصابع دقیقة، وطلاء أظافر أحمر، لامع، یكسو القدم الناعمة، ویعرّي

كل درجات الرمادي من حولها.

 

 

 

كُتبت قصة “احمر..لامع..يسر الناظرين” كجزء من مشروع بيروت للقصص القصيرة و هو تعاون بين KfW Stiftung و معهد Goethe لتعزيز المواهب الأدبية الشابة في الشرق الأوسط, ويتضمن المشروع ورشات عمل للشباب الذين يكتبون باللغة العربية والذين يطورون القصص القصيرة تحت اشراف كتّاب مشهورين من بينهم عباس خضر و ديما ونوس. يتم بعد ذلك ترجمة أفضل النصوص ونشرها بالعربية و الانجليزية على موقع adda

 

Illustrated by Ghada Khalifa

 

 

About the Author

اسراء مقيدم

قاصة وسيناريست مصرية صدر لها “ما تيسّر من سيرة الخايفين”، ديوان شعر بالعامية المصرية عام 2014 . فازت بالمركز الأول لمسابقة مشروع مكتبة القهوة للقصة القصيرة عام 2016. ,فازت بالمركز الثاني KfW Stiftung لمسابقة قصص القاهرة القصيرة التابعة لمعهد جوتة عام 2018. شاركت في تأليف مسلسل ورق التوت، قيد التصوير الآن.هي واحدة من المؤلفين المشاركين […]

Related Articles

adda open call: CLIMATE CHANGE

adda is looking for new writing on the theme of climate change. We are seeking poetry, fiction and – in particular – non-fiction. Open for submissions soon, deadline 31 January 2020.

Find out more