Read time: 12 mins

رقصة الأصابع الوسطى

by Mostafa Eltelwany
28 August 2020

خد الصوباعين دول علقهم خابورين وانت هتكتب الأوديسة.

رنت في أذني كلمات خالد وأنا أعد أول خابور بعد الاعتزال، مسحت باطن كفي بمنديل، أخرجت الصوباعين من علبة السجائر، جلست على الأريكة المقابلة للتليفزيون، مسحت عيني سطح الطاولة، كل الأدوات متاحة. ثم اتجهت إلي غرفتي، حينما تذكرت أنني نسيت أهم شيء، ورق أبيض وقلم.

تتفتت أفكاري كقطعة حشيش مضروبة، حينما أحاول ترجمتها إلي قصص. حاولت السير على حبل المتاح، بالبعد عن المحظورات، فكنت كعداء يحاول الفوز بسباق الـ 100 متر بعد بتر إحدى ساقيه.

أوصدت نوافذ الشقة، لأتخلص من غزو الأغاني والهتافات الصاخبة، لكن لا فائدة. هناك ثغرة في الجدار تتسرب الأصوات منها. بينما أحاول الاختباء منهم كمُفطِر في نهار رمضان. خففت الإضاءة. ركزت ذهني على ما بين يدي، وعيني تترقب الأوراق .

التقطت سيجارة، اقتطعت جزءًا منها بمقدار عقلة إصبع، ليناسب طولها قطر الكوب. شققت بطنها بسن الموسى، غرزت الصوباع بداخلها، أشعلته من طرفه السفلي. ثم صنعت منها جسرًا يصل بين جداري الكوب من الداخل. وبسطت يدي سقفًا للدخان. أسندت رأسي على الحائط، بينما رائحة الحشيش تهيج حواسي.

تراخت أعصابي، حينما سحبت أول دفعة دخان عبر فمي، شهقت بعنف، سددت أنفي بأناملي، ليعصف الدخان بي، دبابير تلدغ رأسي. تناهت إلي دقات طبول من الخارج، ولم أعبأ بها. ثم زفرت منهكًا، والدموع تنسال من عيني.

بدأت بعض أصابع يدي اليسرى تمردًا، حينما انتهيت من الخابور. السبابة والوسطى والإبهام تحديدًا. انفصلن عن جسدي. قفزن على الطاولة بحرية حسدتهن عليها.

تتبعتهن وهن يخرجن سيجارة من علبتي، أشعلنها وبدأن في تدخينها بالتناوب، استفزتني تلك الحركة، أنا لا أحب سطو الغرباء على دخاني. تفرقن على الطاولة بعد ترك السيجارة في منتصفها، أثارتني مؤخرة السبابة المكتنزة وهي تتبختر. قبل أن ألتفت لصرخة الوسطى، التي كانت تمسك بالموسى، ونقاط الدم تقطر من رأسها. فلتت مني ضحكة هازئة.

-حد يشمت في لحمه؟ صاحت السبابة.

-هاتلنا شاش بسرعة، أردف الإبهام.

أمرتهن بالعودة إلي كفي لأنفذ طلبهن، فرفضن. أنهيت كلامي ببرود: خليها تنزف لحد ما تموت. وأشحت بنظري.

اختفى صوباع الحشيش المتبقي، بحثت عنه بين السجائر، أسفل الطبق، على السجادة، بين وسائد الأريكة. فلم أجده، خُيِّل إليَّ أني نسيته على مكتبي، اتجهت إلي الغرفة ثم عدت مسرعًا على صوت عبدالباسط حمودة يغني: إديني جرام محبة، أديك وقة حنان.

كانت الأصابع تتلوى في منتصف الصالة بشكل هستيري. تشكل دائرة حول الصوباع المتفحم على السجاد، تراقص الدخان. اندفعت نحوهن، لأضع حدًا للعبث بأشيائي. تعثرت بطرف السجادة، ارتطم وجهي بحافة الطاولة، سقطت أرضًا والصوت يتصاعد: أديك بزيادة حبة وتوزع ع الجيران.

أفقت على يد خالد تربت على كتفي، انتبهت، كان له وجهًأ فسفوريًّا يتوسط جسد إصبع عملاق.

– إنت برضه منزلتش؟

لم أرد

-لحقت سفيت الصوباعين؟

جف ريقي، تعرِّقَ باطن كفي، مسحتهما في قميصي، أصابعي في وضعها الطبيعي، أستطيع قبضهم وبسطهم بسهولة.

-الحشيش دا مخلوط إيه؟

-انت اللي خربت بسرعة عشان بعيد عن الملاعب.

-معاكش حتة تانية؟ دماغي بتاكلني، وشكلها هتطلع قماش.

-قوم البس وننزل نقضي.

أنعشني الماء الساخن، ترامت نداءات مكبرات الصوت المزعجة إليَّ، من المبنى المقابل لنافذة الحمام. كان المنادي يهتف متهدجًا: مستني إيه! الحل بين ايديك!

خرجت إلي الصالة وأنا أزرر قميصي، خالد يجلس على الأريكة بساق واحدة، لا يرتدي حذاءًا، إتكأ على الطاولة ليستطيع الوقوف. جسده يتكون من رأس وعقلتين، عاريًا تمامًا، ولا أثر لعضو ذكري أسفل بطنه.

أحببت اللعبة، وقررت أن أخوض المغامرة.

-أنا جاهز

-أنا كمان جاهز. قلت.

قبل أن يسير بجانبي متقافزًا ككرة مطاطية.

يصطخب الشارع بمجموعات من الأصابع الراقصة، كنت ألمح نظرات استهجان في أعين بعضهن، واحدة منهن كانت ضمن حشد داخل صندوق سيارة نقل، تمسك بلافتة بيضاء مرسوم عليها تفاحة خضراء،  تتقافز بجنون، كأنها تُقلى في زيت مغلي، بصقت علي حينما مررت بجانبها، لم أستطع تفادي البصقة، فأصابت رقبتي.

التفت إليها بحنق، ألجمت لساني ملامح الأصابع المحيطة بها، خاصة عندما توقفت العربة على مقربة منا. كانت تتمايل على نغمات الأغاني، بنشوة منتصر، نحيفة كعود قمح ذابل، وجهها مبقع بالجلد الميت. فلم أتمالك نفسي أكثر من ذلك.

جذبني خالد بقوة من ذراعي وأنا أسبها بصوت مرتعش؛ مانتي أصلك قحبة.

ركضت الأصابع من خلفنا، فركضنا ما يقارب أربع محطات مترو. ولم نتوقف إلا حينما تأكدنا أننا نجونا بفضل الزحام.

قال خالد لاهثًا: مش كنت شتمتها بالأم أحسن؟ كان زمانا كملناها جري، وقضينا  واصطبحنا كمان. الله يحرق معرفتك.

فضحكت وأنا أقول له: المرة الجاية، نكمل مشوارنا بالمترو المرادي، خد هات تذكرتين.

انحشرنا بين الأصابع المتدافعة، نفرت أنفي من رائحة العربة، مزيج من رائحة العرق والأنفاس الكريهة، كان خالد يتطلع إلي قدمه، يقشر طبقات رقيقة من الجلد بأطرافه، شعرت بالذنب نحوه، ملت بظهري على الباب، حينما جائتني صرخة من آخر العربة.

-بطل استعباط يا وسخ.

تشكلت دائرة حول مصدر الصرخة، فحلق الفضول فوق الرؤوس، واشتعلت جذوة حوار عشوائي، انفجرت الكلمات الغاضبة، قابلتها أخرى لائمة، والمترو يكمل طريقه غير مكترث.

حاولت الاقتراب أكثر، كدت أُسقِط العديد من الأصابع في طريقي -كان توازنهن يختل بسهولة-.

-يعملك إيه يعني، انتي مش شايفة الزحمة؟، قالت إحداهن.

وحياة أمي لاعمله محضر، ردت صارخة، وهي تمسك برقبة أحدهم.

توقف المترو في المحطة، فُتحت الأبواب، بينما كانت تشده إلي الخارج، صعد ضابط وثلاثة جنود، انبسطت الدائرة من حولهما، حل الصمت على الجميع، راقبت نظرات الضابط المتفحصة، أمر جنوده بأخذ المتهم، ولم تهنأ الأخرى بانتصارها، حيث أمر بسحبها من قفاها هي الأخرى.

أُغلقت أبواب المترو، لم يتقدم خطوة واحدة، حتى فُتحت مرة أخرى. عاد الضابط من جديد، لكن تلك المرة ليأمر جنوده باقتيادي.

مر الوقت ثقيلًا داخل عربة الشرطة التي حُشرت في صندوقها الضيق.

لجدرانها الخالية من النوافذ، قسوة حادة، كنظرة الشخص الذي يتشارك معصمه الأيسر معصمي الأيمن  نفس القيد. الهواء معبئ برائحة قيء وفضلات، كنت أتنفس بمشقة، تسللت يدي اليسرى إلي جيوبي بحثًا عن أية ممنوعات قد تورطني في شئ لا أعلمه، لم أجد سوى قلمًا جافًا، أفلتَه وأنا أختلق حديثًا لإضاعة الوقت:

-مش مكمر تليفون كدا ولا كدا؟

-كان غيرك أشطر.

-ليا واحد صاحبي لو قدرت أكلمه يمكن يتصرف.

-قلبك أبيض، أول مرة؟

قطع أزيز الباب حديثنا، أمرنا الجنود بالنزول، وجدت نفسي في مدخل ساحة صحراوية شاسعة، ترتفع من خلفي أسوار أسمنتية عملاقة، يمتد من أمامي طابور لعدة كيلو مترات، نصفه بشري، ونصفه الآخر من الأصابع الفسفورية.

سال عرقي باردًا، بينما يزحف الطابور مستسلمًا، اقتربت من الخط الفاصل بين نصفيه، كان هناك عدة جنود يشكلون نصف دائرة، يقف بينهم ضابط بوجه مصفح، أمام بحيرة، يبرق سطحها بلون فسفوري.

يَجرُّون البشر المكبلين، ويغطسون رؤوسهم في البحيرة، فيستحيلون أصابع فسفورية، تنكمش ظلالهم، تصبح أكثر استطالة، ثم يتجهون بخطى متراخية، نحو بوابة قلعة تشبه المسارح اليونانية القديمة.

ألبسني الجنود قميصًا وبنطالًا خضراوان، أوقفوني في أحد أركان المقصورة الرئيسة، الشرفة عن يميني، وشوارب السادة أمامي. أمروني أن أصغي، أنفذ الأوامر في الحال حتى لا أفقد إحدى أذني، بينما كنت أسب ذلك الواشي الذي أخبر الضابط أنني صاحب القلم الذي وجدوه بالعربة. وأنني كنت أسأله عن تليفون للاستغاثة، وكنت أحثه على التفكير في الهرب.

تذكرت تهديد الضابط؛ ودين أمك لاتشوف، بس بعد الليلة دي ما تنفض، كادت عروق رقبته تنفجر، وهو يدفعني بعيدًا عن البحيرة قائلًا: دا شرف مش للي زيك! في حين أخذ الواشي وعمَده بنفسه في البحيرة ليخرج منها مشعًا.

لم يهتم بوجودي السادة المنغمسون في الأحاديث الجانبية والدخان الأزرق، لمحت عيني الرؤوس الفسفورية المطأطأة بالأسفل، بحر من الأصابع المنتصبة لا ينفد، صمت يكبل مفاصلهم، لا أكاد أسمع طقطقة واحدة تخرج من إحداهن ولو على سبيل الخطأ، أمرني أحد السادة قائلًا: تعرف تلف يا ..، قبل أن تقاطعه زلزلة.

انشقت السماء عن صوت رعدي، امتد ظله على الرؤوس فانحنت راكعة.

أغلبيتي الساحقة،،

نما إلى علمي نتيجة الفرز، فأمرت بجمعكم تحت ظلي، لأرى من لم يحيدوا عن الصراط.

تأييدكم يزيدكم رفعة، ولا عزاء للمتقاعسين، الذين إذا مسهم سوء تضرعوا إليَّ، وتابوا عما فعلوا، لكن لا قبول لتوبتهم بعد اليوم. وإن غفرتُ، فلن تغفروا، فأنا أعلم بكم.

أنبتت كلماته نشوة في القلوب، بدأت الأصابع في التمايل، تماوجت، اضطربت، نشبت في داخلها رجفة، تراقصت على إيقاع الوعيد، ومَضَت رؤوسها أسفل الظلال، لهثت وتضرعت ثم خفتت أصواتهن حينما أكمل؛ لذا أمرت أن تكافئوا، إذ لا معنى للمساواة بين المتهربين من الواجب، ومن قال نعم.

ترددت صدى كلمته الأخيرة في فضاء المكان، انشطرت حروفها الثلاثة إلي آلاف الأجزاء على الألسنة المهتاجة، كان لترديدها وقع عاصف، نعم نعم نعم نعم.

حتى تلاشى مصدر الصوت، وانمحى ظله. فانفتحت الجدران عن الجنود، حاملين مقصات معدنية لامعة.

خرجوا عليهن كالجراد، جذّوا الرؤوس عن الأجساد، اختلط أحمر الدم بفسفور الحبر، الحشرجات بصدى الهتافات بضحكات السادة المتشفية، حاولت القفز من الشرفة، جذبتني أياد صلبة، تشبثت بحافة الشرفة، حتى دق أحدهم كتفي بكعب بندقيته، سقطت أرضًا، باغتتني ركلة بين فخذي، فتسربت الصور من أمام  عيني إلا من صورة الحشيشة المحترقة على سطح السجادة.

Illustration by Karen Keyrouz

About the Author

Mostafa Eltelwany

Mostafa Eltelwany is an Egyptian writer and storyteller born in Qalyubia in 1991, and has published two collections of poetry in vernacular Egyptian, the first titled Laughter of the Visa Student (2014) and the second Arabesque (2016). He is currently working as a literary editor and content producer for an audiobook company.  

Related