Read time: 10 mins

قصّة من الجنوب

by Eman Sharabati
26 August 2020

في المساء، تدخل إلى مسرح القصر الثقافي في رام الله، وفيما هي تبحث عن مكان للجلوس في القاعة الممتلئة بالحضور، تُصادف مجموعة من الأصدقاء في المقاعد الخلفية، تسلّم عليهم بحماس.

كان العرض المسرحي مضحكاً حتى تعب الخواصر، ومؤلماً حدّ انقباض الروح. سرّها أنّ تخرج من القاعة بعد انتهاء المشهد الأخير على وقع صمت الجمهور المأخوذ بما شاهده. الجميع نيام عن الحياة، يقظين للحالة التي حملهم إليها العمل. كانت تنتظر هذه القطعة الأخيرة من المتعة لتكتمل لديها مشاعر الامتنان الدائم للمسرح.

تخرج للباحة الخارجية وتشعل سيجارتها بينما تتجمع الصديقات تباعاً. خلف رؤوس بعضهن يظهر هو. لا تسلّم عليه مع أنّها تعرفه، بل وكانت قد التقت به مصادفةً بالسابق.

بعد تخطيطٍ سريع، يوافق الجميع على إكمال السهرة في المقهى. هناك تجمعهم طاولة واحدة، وتترتب الأجساد بالمكان ليبقى فراغاً واحداً بجانبها يشغله هو. وبينما يأخذها الحديث مع صديقتها الجالسة في المقعد المقابل، يبادرها بالسؤال عن الجزء الأخير من المسرحية، حيث تقرر الخراف خوض معركة الاضراب والتجويع لمساندة أهل القرية في رفضهم لقرار الاحتلال فرض الجنسيات الإسرائيلية على السكان.

– مدهش اختيار الخراف بالذات لتمثيل هذه المرحلة من تاريخ الجولان، أليس كذلك؟

– أعتقد أنّ هذا المشهد سيغيّر حياتي.

تجيب بسرعة.

تتبدل المشروبات ويتحرك الجميع من أماكنهم فيما عداهما. يمرّ صديقه المقرّب ليسلم عليه، فيتظاهر بعدم الانتباه. تقرر الانسحاب من فرط الانفعال، ويتفقان على لقاءٍ قريب بعجالة.

في اليوم الأول يتصادقان على “الانستجرام”. تبحر في صوره الكثيرة ويجذبها عالمه الواسع.

في اليوم الثاني، لا شيء.

في اليوم الثالث، تقرر أنّها ستبادره بطلب لقاء.

في اليوم الرابع، تبعث له سلاماً، وتقترح مكاناً وزماناً يجمعهما.

بعد ساعة، ينشر أصدقاءٌ مشتركون خبر اعتقاله.

“يا لسعادتي” تقول.

تبدأ منذ اللحظة الأولى التفكير بالموعد الذي سيتأجل إلى حين الافراج عنه، وتتخيل كيف ستخبره بأنّها كانت وجه نحس عليه، فيضحك.

بعد الأسبوع الثاني تقرر المحكمة تأجيل النظر في القضية لعشرة أيّام إلى حين اكتمال الأدلة. تفكر أنّ هذا الأمر سيطول “ولكن ما المشكلة في تمديد الشوق؟”

في الأيام العشرين التالية، تحاول استحضار لون قميصه يوم رأته فلا تنجح. تتلاحق مواعيد جلسات المحاكمة فتذكّرها بها تعليقات الأصدقاء على صوره.

بعد انقضاء فترة الاعتقال الإداري الأولى، تخبر صديقتها مازحةً بأنّه، بلا شك، لم يعد يحتمل الابتعاد عنها أكثر من ذلك.

وبينما هي تتأمل السماء مساءَ أحد الأيّام، تجد امتداد قرص الشمس البرتقالي قد اتسع وطغى على الأزرق. تُقرر يومها بأنّ الوقت قد حان كي تكتب له رسالتها الأولى.

تتردد في التمهيد، وتفكر كثيراً قبل مشاركته بأسباب هذا التواصل الذي قد يبدو متأخراً. كانت رحلتها خارج البلاد قد انتهت للتوّ، حيث ظلّت تستحضر صورته الآخذة في البهتان أثناء انتقالها من مدينة إلى أخرى. بدا لها أنّ الحديث عن هذه التجربة قد يجلب له بعض السلوان ويكون استمراراً لنقاشهما الأوّل والأخير.

بعد السلام الذي يبدو كلمة مُربكة، تذكّره بما كان ممكناً لهما أن يفعلاه لو كان خارج السجن، كزيارة سريعة لإحدى قرى شمال رام الله، والتي يتوجب القيام بها قبل انتهاء فصل الربيع وجفاف النبع. ثم تُسهب في وصف ما رأته في رحلتها.

“أحببت وجوه الباعة المنغمسين في الحركة. تراقب وجوههم محيطها بيقظة. لا تتوانى الوجنات عن الارتفاع، وتمسك إشارة الآخر بفطنة، مقدّمةً ترحابها بأصالة. ترتفع خيوط الجبين المنفعل، وتضحك الشفاه كأنّ نبياً جديداً زار قرية يقطنها المهجورون.

“على الطرف الآخر من الشارع، يصرخ وجهٌ عبر الهاتف العمومي. يبدو أنّ زوجته المقيمة في القارة الأفريقية على الجهة الأخرى من السماعة لا تتفهم ظروفه. يقع الهاتف العمومي للغرابة داخل مكتب تحويل الأموال “ويسترن يونيون”، حيث يحوّل المتصل ماله وعمره لعائلته المعدمة في القارة القصيّة، بينما يجني الموظف الأبيض الملول أرباح المرحلة.

“لا بد أنّ أخبرك بأنّ المكان مملوءٌ بالقلوب، يربطها الناس بمعتقدات دينية قديمة. يصبح القلب في كل مكان. يخرج عن دوره الحيوي ويتسلق الجدران. تتضاعف رقته وتتخذ ملمساً كثيفاً ناعماً يوحي بالنوم أو الاحاطة. تُغلق الأسئلة المربكة لتحل سكينة الدفء محلّها.

“في السفر، يتجلّى الواقع بشكله الجديد. تبدأ الرؤية بالوضوح عند اختلاطها مع رؤى أخرى. المعارف والصور الجديدة طازجة ومدهشة.

“كيف نفهم حياتنا وما نعيشه هنا بمعزل عن تجربة الاغتراب المادّي المؤقت؟ لا أعلم. قد تكون الحدود المغلقة للبعض أكثر سلامةً لقلوبهم. بانتظار سماع أخبارك”.

تصلها رسالته في الشهر التالي.

“السريرُ الذي أجلس عليه يومياً، يدعوني للنوم بلا هوادة. النوم بمعناه الرمزي؛ انتفاء الحاجة أو الرغبة بالتفكير. “لوهلة يعادل النوم الضعيف تلك القوة الجبّارة التي يقوم عليها الكون، فقط لوهلة” قرأت هذه العبارة في كتاب النوم لهيثم الورداني. أدخله لي صديقي. هل لديك كاتب/ة مفضل؟

“قطع الثياب القليلة تتدلى من طرف السرير، وغلاف الفرشة يصرّ دوماً على الانكماش والتجمع بنقطة واحدة، بينما تدور المخدة بين أعلى السرير ومنتصفه وأدناه. الغطاء بدوره لا يحظى بلحظات الترتيب سوى مرة واحدة أسبوعياً.

“أظهر أكثر قوةً في لقاءاتي ورسائلي مع الوالدة والأصدقاء، ولكنني أفضل هنا أنّ أقول لك ما أفكر به حقيقةً.

“في الإجابة عن سؤالكِ، قد أحتاج إلى الصور والمشاعر المختزنة من رحلاتي السابقة. هي مادة أوّلية مفيدة لاختلاق قصصٍ مع الخارج، وتذكر وجوده الفعلي بأشكال مختلفة. الفرق بيننا أنّني أعيش اليوم في المدار الأقرب من نواتي كإنسان، وأسئلتي تدور حولها. الآخر البعيد يبدو أقل أهمية.

“خلال الفترة الماضية توقّفت عن الرسم. في الرسالة القادمة سأخبرك عن الجدران والأرضية. أخبريني بالمزيد.”

تقرأُ رسالته في الصباح الباكر. تتخدرُ يداها وتشعر بالتعب. تحسبُ كمية الهواء الممكن تنفسها في حال شاركت غرفتها مع خمسة أشخاص، وتكتبُ له:

“في أحد الأيّام زرتُ البحر، هناك حيث يحطّ سرب النوارس على الشاطىء الرملي، كأنّه مكانها الأصلي، تراقب الأمواج بسكون وهي تقف بصفوف متقاربة، مدليّة أجنحتها على الجانبين. وددت لو كان بإمكاني أن أعلم بماذا تفكر وهي تنظر بهذا الالتزام نحو البحر. بدت متفقةً على خطة البقاء الجماعية، فيما البشر بعيدون ومقصيّون. من قال أنّ هذا المكان لهم؟ يكملون مسيرهم نحو الشاطئ التالي، بعد أن أخافتهم الجماعة المتحدة”.

تتأخر رسالته هذه المرة، ولكنّها تأتي:

“أخبريني كيف غيّركِ ذلك المشهد المسرحي؟

“أشعر أنني اليوم أقرب إلى الحرية. يتنابني هذا الشعور بين الحين والآخر. وأحسّ أنّ رسوماتي ونصوصي باتت أكثر صدقاً. أودّ اعلامكِ بأنّ الأصدقاء هنا يودّون إعداد مدونة حول تجربة الاضراب عن الطعام، يكتبها ويحررها الأسرى غير المنضمين له بعد.

“تتردد صورة النوارس في ذهني كثيراً. هل تعتقدين أنّنا نشبهها حين نصرّ على مطالبنا؟”

تخرجُ ساهمةً بعد عرضٍ لأحد الأفلام. منذ أيّام شغلها سؤاله لها عن الإضراب، وفيما هي تتجنب أنّ تبدو عقلانية أو حالمةً في موضوع دقيقٍ كهذا، خطر في بالها بأنّ الجنوبي، أيّنما كان، يعيش في أكثر الظروف جنوناً وخروجاً عن المنطق، فيما تحيطه كافة العيون وتتوقع منه سلوكاً عقلانياً.

تُراقب باب قاعة السينما، فيما تتخبط الصور والأصوات في رأسها، وتُرافقها مقولةٌ لمخرج الفلم: “لا شيء يبدّل آمالنا التي ستبقى دوماً يوتوبيا ضرورية”.

Illustration by Rafik El Hariri

About the Author

Eman Sharabati

Eman Sharabati was born in Jerusalem, where she still lives. She works in the field of culture in Palestine, and studied Contemporary Arab Studies at Birzeit University. This is her first published story.  

Related