عناكب

by كاميليا حسين

 

یحلق ذقنه كل صباح لتتساقط أرجل العناكب منها، تملأ الحوض وتسد بالوعة المیاه. یخرج من الحمام بذقن لامعة ناعمة، تاركًا لي مهمة تنظیف الحوض.

یشكو دائما من ذقنه التي تنبت أسرع من أقرانه، یمسك بكفي ویقربها من وجهه، أحاول أن أنفلت بلطف لكن كفه تطبق على كفي وتقودها إلى الذقن، تخترق أرجل العناكب بشرته لتلمس أطراف أصابعي؛ أقشعر، یضحك ویقترب لیحتضنني، تحتك ذقنه بخدي فأشعر بأرجل العناكب اللزجة، یظن أن ملمس ذقنه یثیرني فیحكها بخدي عامدا مرة أخرى، أتظاهر بالضحك كي أستطیع الإفلات، أجري إلى الحمام لأفرغ ما بجوفي في الحوض، ویكون عليَّ أن أنظفه مرة أخرى.

لن یصدقني إذا أخبرته: صباح الخیر، ذقنك لا تنمو بسرعة، لكن العناكب تُخرج أرجلها من داخلك، أنا أكره العناكب وأتقزز منها، أرجو ألا تقترب مني قبل أن تحلق ذقنك، وأن تنظف الحوض بعد الحلاقة.

بالتأكید سیتهمني بالجنون، وربما یأخذ الصغیرة ویهرب بها من جنوني.

ارتدیت ملابسي، أخبرته أني سأذهب مع الصغیرة إلى المنتزه القریب، قال أنه سیمر علینا بعد عودته من العمل، كان عليَّ أن أهرب من هذا الجنون لبعض الوقت.

تجري الصغیرة مسرعة إلى الأرجوحة، بینما أفضل الجلوس على الأرض لمراقبتها، أخلع حذائي لتلامس الحشائش الخضراء المبتلة قدمي وتمنحهما بعض السكینة، أجلس وأحرك كفي على الحشائش، كانت رطبة وطیبة، یدغدغ ملمسها الندي كفي وكأنما یربت علیها.

أنادي الصغیرة، یخرج صوتي طیبا كما كنت أعرفه، تبتسم لي، أبتسم وألوح بكفي، وربما أبعث إلیها بقبلة في الهواء.

كانت كفي تستند ساكنةعلى الأرض لكن إحساسي بحركة الحشائش تحتها مازال مستمرا، حركات خفیفة عشوائیة تكاد تكون غیر ملحوظة تدغدغ كفي وتربت علیه، تأملت الأرض، بدت الحشائش متساویة تماما لكن بعض التأمل یكشف عن نَسَقٍ ما، كانت الحشائش تنمو في مجموعات من ثمانیة بینها مسافة ضئیلة لا یمكن ملاحظتها سوى بتدقیق النظر، تلتف قلیلا حول نفسها لتشبه أرجل العناكب.

أعرف العناكب حین أراها، لقد ظهرت هنا أیضا، تتحرك بهدوء، بطریقة تبدو عشوائیة، لكنني أدرك انتظامها الذي لا یراه أحد، أحاول القیام فلا أستطیع، وكأن جسدي قد التصق بالأرض، أحاول أن أنادي الصغیرة، یتصلب لساني داخل فمي كأنه من زجاج، أحاول أن أصرخ، تخرج الصرخات للداخل، أبتلع صراخي حتى أكاد أن أشرق به، أحاول تقیؤ الصراخ، فأتقیأ للداخل لیصیر جسدي أثقل.

تتسارع حركة أرجل العناكب من تحتي ومن حولي، أشعربالنسیج الناعم اللامع ینمو من حولي ولاأراه، أحاول دفعه بعیدا فیلتصق بكفي، تكتمل الشبكة حولي وتسحبني إلى الأسفل، لاأحاول المقاومة، أستسلم وأنسحب إلى الأسفل… أسفل الحشائش… أسفل الأرض.

تبدو الشمس أقل حدة فلا تؤلم عیني، رطوبة التربة تخفف من الحرارة، تبدو الأصوات واضحةفجأة: أصوات المدینة، الباعة البعیدین، أصوات النساء الضاحكة رغم كل شئ، بائع آیس كریم قریب یستمع إلى موسیقى خفیة، وصغیرتي تتحدث إلى أحدهم، أمیز صوت أبیها یسألها عني

لا أعرف یا بابا. كانت تجلس هنا.

أشعر بخطواته ضجرة ثقیلة تتوقف فوق جسدي، أمیز حذاءه، وذراعه ترتفع بالساعة مرة بعد أخرى، ینظر حوله ویكرر سؤاله للصغیرة عن آخرمرة رأتني فیها، یأتیني صوته الضجر المعتاد، ثم أمیز في صوته بعض القلق، أفكر أن أختبئ هنا للأبد.

أشعل زوجي سیجارة وبدأ یدخن بتوتر، قررت أن أغني له لأهدئ من قلقه، لم یبدُ علیه أنه یسمع، لكنه أطرق فجأة لیتأمل ما تحت قدمیه، ابتسمت له ورفعت صوتي أكثر، انحنى لیقترب من الأرض، مد كفه، حاولت أن أمد كفي لألمسه، لكن أصابعه امتدت إلى حذائه لتزیل عنه رماد السجائر الذي تساقط علیه.

كان كفه قریبا من الأرض، مددت كفي لألمسه، أظلم العالم فجأة أمامي، اختفت الأصوات، أخذت أحاول دفع السطح بكفي، بلا جدوى، لم أكن أشعر بالوقت لكني أعلم أن الكثیر منه قد مضى، حاولت أن أدفع أكثر، كفاي صارتا أكثر هشاشة،كانت أصابعي تتحول ببطء إلى ثمانیة أرجل هشة سوداء، لها ملمس مقزز. و أخیرا استطاعت أصابعي أن تنفذ إلى الخارج، كان السطح رطبا، وثمة رائحة معتادة تشبه رائحة زوجي، صوت صنبور مفتوح یأتیني واضحا، ونصل معدني حاد بارد یبتر أصابعي فجأة لتسقط في حوض الحمام.

*

تأمل ذقنه اللامعة الناعمة في مرآة الحمام، سیبقي السر داخله إلى الأبد، هل سیخرج في یوم لیخبرها:

صباح الخیر، هناك عناكب تنبت من ذقني، كیف لم تلاحظیها من قبل

ستتهمه بالجنون وربما تأخذ الصغیرة وتهرب، لا یمكنه إخبارها أبدا.

یخرج من الحمام لتدخل هي، تسكب المیاه والصابون في الحوض لتنظفه بأصابع مبتورة.

 

 

كُتبت قصة “عناكب” كجزء من مشروع بيروت للقصص القصيرة و هو تعاون بين KfW Stiftung و معهد Goethe لتعزيز المواهب الأدبية الشابة في الشرق الأوسط, ويتضمن المشروع ورشات عمل للشباب الذين يكتبون باللغة العربية والذين يطورون القصص القصيرة تحت اشراف كتّاب مشهورين من بينهم عباس خضر و ديما ونوس. يتم بعد ذلك ترجمة أفضل النصوص ونشرها بالعربية و الانجليزية على موقع adda

 

 

Illustration by Ghada Khalifa

About the Author

كاميليا حسين

ولدت كاميليا حسين عام 1986. تخرجت من كلية الآداب بجامعة القاهرة. تكتب قصصًا قصيرة و هي كاتبة مقالات في عدد من المواقع العربية. فازت بالمركز الثالث في ورشة عمل قصص القاهرة القصيرة 2018 التي نظمها معهد جوته في القاهرة. تعمل حاليًا على أول مجموعة قصصية لها.

Related Articles

adda open call: CLIMATE CHANGE

adda is looking for new writing on the theme of climate change. We are seeking poetry, fiction and – in particular – non-fiction. Open for submissions soon, deadline 31 January 2020.

Find out more