رَمِيم

by بتول فحص

الإهداء

إلى الحرفِ المُعلقِ آخر الغيم وسطَ السماء.

 

نظرتُ إلى الصندوق. يبدو من أجود أنواع الخشب، نظيف، يلمع تحت خفقة ضوء تسلّلت من عينيّ ربما. بدأت أتفحّصه وكأنني منقّبة آثار وجدت ضالّتها بعد بحث طويل وشاقّ. بنّي اللون، داكن يميل إلى السواد، خيط ذهبي يكسر حدّته. يشبه ببريقه غواية سوارٍ في يد عروس جزائرية تخرج من منزل أهلها، تتمايل رقصاً على الدّرج، تنسدلُ عليها التبريكات والنغمات: “يا بنتي العروسة يا شجرة الخوخ.. إنتِ رايحة أرض بعيدة وأنا عليكِ نزوخ..”. ترفع يدها اليمنى فتهبط الأساور برداً وسلاماً مجلجلة. لا يمكن لصوت الخشخشة إلا أن يكون كينونة فرح. ينتظرها عريسها في البهو، يوشوشه صديق ببعض الكلمات الشقيّة ويربّت آخر على كتفه صارخاً “بالهنا مولاي السلطان”. تلامس تلك الوشوشات أذنيها فتخجل، ترخي يدها فتهدأ الأساور.. ربما تنام.

لو أنني أتمايل الآن مثلها. صحيح أنني أرتدي بنطالاً رسمياً وقميصاً فضفاضاً لا يبرز ملامح أنوثتي، إلا أن جسدي يطالبني، يلحّ علي، أن: أظهري مرونتي. ليتني تلك الغانية التي إن رقصت يُصفّق لها ولا يُستهجن لحالها.

سمعتُ مرة من صديقة أمي التي كانت تحبّ اختصاصي الجامعي وقد منحني مرونة “فظيعة” على حدّ تعبيرها، أن الرقص سرّ من أسرار المرأة لا تبوح به إلا لمن تحب، وأنه لا يحتاج لدراسة أو خبرة. إنه إحساس يولد معها، يشبه معادلة رياضيات بسيطة “1+1=2”. أي امرأة مع رقصة يساويان رجلاً لا يقوى على قول “لا”! كانت تضحكني نظريتها تلك، خاصة عندما كانت تُضيف بجدية مفرطة “وأهم شي الخلخال”، وزوجها كان معروفاً بنزواته وحبّه للنساء! يبدو أن رقصها جعله لا يقول “لا” لأي امرأة يلتقي بها! انقلبت أمي على ظهرها ضاحكة عند أوّل درس رقص تلقّته من صديقتها، خاصة عندما صرخت فيها: “معقول ولا مرة راقصة لبهاء! كيف جايبة تلات ولاد كيف!”.

 

خمسة أفراد. صغيرة المنزل أنا، ووحيدة بين شابّين. من يرانا مجتمعين لن يحزر أننا أخوة. “كل حدا من وادي”، هذا ما يقال لنا. بشرتي بيضاء شفافة تظهر شراييني الخضراء بوضوح تام، ما حرمني من الملابس القصيرة. أفضّل تلك الطويلة التي تخفي خطوطاً خضراء رقيقة تمتدّ على طول ساقيّ وذراعيّ.

 

على الرغم من الضجيج المحيطِ بي، صراخ وأنين، استطعت أن أسرح بالصندوق إلى اللانهاية، تظاهرت أنني بحالة صدمة مخافة أن يقترب منّي أحد فيقطع نشوة أصابتني بسبب لمسي للخشب. لا أذكر يوماً أن شيئاً منحني هذه البهجة كما فعلت تلك المادة الصلبة. كنت أردّد دائماً قول فيكتور هوغو مع تعديل بسيط: المسرح بمثابة صلاة. هو اللحظة التي تكون فيها النفس جاثية على ركبتيها كيفما كان وضع الجسد. هذا ما انتابني تماماً عندما قرّرت أن أتسلّل إلى مسرح الجامعة سرّاً قبل الجميع.

كنّا في شهر كانون الثاني، وكان البرد قد فرض عليَّ الكثير من الملابس الثقيلة.  إلا أنه لم يفرض عليَّ التخلّي عن الشغب. انتظرت حتى خفتت حركة الطلاب في الجامعة وتوجّهت إلى القاعة. بابها أحمر عريض تتوسّطه دائرة زجاجية تظهر داخله. وقفت على رؤوس أصابعي، فقامتي القصيرة لم تكن تسعفني في كثير من الأوقات. لم أرَ إلا السواد وأطراف كراسٍ مخمليّة. جمعت كل طاقتي في يدي ودفعتُ الباب ودخلت.

 

حتى هذه اللحظة، لا أعرف كيف اجتاحتني رغبة بخلع ملابسي، ما أن لامست قدماي خشبة المسرح. تخلّصت من الحاجز الأول مع الأرض، الحذاء، بعدها المعطف وما تحت المعطف. استقرّيتُ على ملابسي الداخلية ولففت الشال على جسدي وتقدّمت نحو خشبة المسرح. رفعت قدمي، فانتبهت أن ضوءاً خافتاً انعكس على جلدي، مباشرة وجّهتُ رأسي نحو الأعلى، إنها مجموعة أضواء خافتة، من شدة صدقها  تظهر جزئيات الغبار المتطايرة في الأرجاء. كم هو شفاف هذا المكان، مثله كمثل بشرتي البيضاء، كل الأشياء تظهر على حقيقتها، كل الأشياء تعود لأصلها كشراييني بالضبط. لامس كعب قدمي الخشب، انتابتني قشعريرة تخيّلت فيها الأمان الذي احتواني عندما ولدتني أمي، فقرّرت العودة إليها، اتّخذت وضعية الجنين، ونمت بكلّي على المسرح.

 

ما الذي طاف بي يومها يا مجد؟ ما الذي  جاء إليَّ منكَ فجعلني أقولُ أنكَ “مسرحي” وجعلكَ تناديني “حبقة”، ذاكَ لأنكَ تحب كل أخضر، وأنا أهوى التمدّد والالتفاف. غالباً ما كنت أحبّ تأدية دور “النبتة الطفيلية”، وهي نبتة زهرية، غير قادرة على الحصول على الماء لذا تسلك سلوكاً طفيلياً. تلتفّ بانسيابية هادئة، تتمايل، تنتظر انشغال النبات برقصها فتتشعّب في كافة الاتّجاهات معلنة أنها من الطبقة الحاكمة. يهدأ الجميع، يظهرون الولاء ويؤدّون القسم..

 

أخذ مجد الشال الحرير الذي أحرص على ربطه بطرف محفظتي بشكل دائم، حتى إن كان لونه لا يتناسب معها. كنت أصرّ على أن يرافقني بشكل علنيّ، فهو هدية والدي، هو عطره والسكينة الغريبة التي كان يمنحني. تقول جدّتي إنني أشبهه كثيراً خاصة بحاجبيّ اللذين كانا يعطياني علامة فارقة، فرغم الأبيض المنتشر في جسدي، كان لونهما أسود قاتم، مع شامة ترقد يميناً إلى جانب فمي. كان يقول مجد إنها مجرّة لم تكتشف بعد، فأضحك فتختفي في غمازتي، لذا كان يفضّل ألا أضحك، كي لا تضيع المجرّة..

بعد أن أخذ مجد الشال، ربطه على عينيّ، شعرت به ينحني فوضعت يداً على كتفه والأخرى أخفيت بها سعادتي العارمة. وإذ به ينزع حذائي الرياضي، ويضحك: “ما بنسى قصتك مع المسرح”. بعدها وقف، فاقتربت منه وكعادتي وضعت رأسي على قلبه، فطول قامته كان يمنعني من الوصول لوجهه، وهذا سبب من أسباب حبّي له، معادلة لا علاقة لها بمعادلات صديقة أمي. كنت أحبّ أن أتمدّد فأصل لقلبه، أما هو فينحني ليلتقط مجرّة..

– إمشي شوي شوي، وما تخافي مهديكي كتير منيح..

– ما بدي إمشي شوي شوي، بدي إمشي بسرعة، مش إنت مهديني كتير منيح؟

 

لا أذكر يوماً أو موقفاً كنت فيه اتكالية إلا مع مجد. مرة، قلت له مازحة “حرّكلي إيدي ما إلي خلق”. والممتع في الأمر أن مجد لم يكن يبدي أي اعتراض، على العكس، كان يضحك من أكثر الغرف عمقاً في قلبه.

 

تقدّمت “شوي شوي” ممسكة بيده التي التفت حول عنقي من الخلف..

–        مجد عم شِم ريحة..

–        إي قوليها، ريحة شو؟

–        مستحيل!!

–        قولي، ريحة شو؟!

–        خَش…

 

لم أنتظر إنهاء كلمتي حتى قمت بإنزال الشال عن وجهي..

–        شو هيدا!!!

–        إي متل ما شايفي!!

 

معمل نجارة مهجور. بناء قديم جداً بسقفٍ عالٍ لا زوايا حادّة فيه، دائري تمتدّ فيه قناطر عدّة. يستغلّ الضوء نوافذه كي يتحوّل في داخله إلى نيازك أليفة وشهب. جدرانه تحوي عشباً أخضر وأرضه تضجّ بقطع خشبية وأثاث قديم. اجتمعت رائحة الخشب فيه مع رطوبة الشتاء الخفيفة. شعر مجد بأن كل ما فيَّ تأهب، أمسك بي:

–        مش هون!!

–        كرمالي

–        طيب، بس بسرعة.

 

عندما أرى خشباً على الأرض، أتحوّل إلى قاطفة محترفة في موسم الزعفران، ذاك الذي يحوي في كل زهرة ثلاثة خيوط حمراء قانية. أرى نفسي مرتدية شروالاً أزرق وقميصاً برتقالياً فضفاضاً مع شالٍ من الكشمير يغطّي شعري حتى أطرافه، أنحني، أمرّر أصابعي المحنّاة بين ساق الزهرة، أصارحها بحبّ عبر ترتيل وماء مبارك، أشدّ عليها بعض الشيء فأمتلكها وتنساب مع أخريات في سلّتي. هكذا جمعتُ بعض الأخشاب، مع ما كنت أسمّيه “رمل الخشب” وهو فُتات النجارة..

  – مجد مبين إنو مستودع مش مهجور عالآخر، في أخشاب عمرها صغير.

فضحك..

  – يا كبيرة إنتِ عجلي!!

 

باتت الأخشاب حولي ورملها تحت قدمي. وضعت يدي على منبت شعري. مرّرتهما على عيني ثم أنفي ففمي. لامست المجرّة وشعرت بأنه الانفجار الكوني الأول قد وصل لعنقي. رميت هدية والدي، انحنيت وحملت التربة بزرعها والزعفران ورششت كل شيء في الهواء، وبدأت بتحريكِ جسدي حتى شعرت بغصن شجرة ينبتُ في قلبي فيتّحد مع كافة شراييني الخضراء، ناثراً كريّات دم جديدة في أنحائي..

 

أظافري ليست مُقلّمة كما يجب، ومع هذا وضعتُ السبابة على الصندوق، ومرّرت إصبعي بكثير من البطء كي أتأكّد أن بصمته طبعت على الخشب، مصدرة صوت زقزقة سمعته بألم على غير عادة. وصلتُ إلى طرفه، الكثير من الزخارف النافرة، أكملت بخوف، إنها هضابٌ فسهول وأودية.. “إنه كتفي يا مجد”.

 

لم يكن يزعجني هذا التشوّه الذي طبع على كتفي إلا عند لمسه، خاصة عندما كنت أتغنّج على مجد، فأميل برأسي على كتفي لأصاب بوعكة ذاكرة وأزمة ثقة، سرعان ما تختفيان عندما أقول لنفسي “ما حدا حاسس فيه غيري”.

بعد هذه الحادثة حرصت على شراء ملابس تغطي كتفيّ واستطعت التأقلم مع هذا التشوّه. إلى أن قرّر مجد في أحد الأيام أن يصطحبني إلى عرزال في غابة. تحمّست كثيراً للفكرة، خاصة أنه حدّثني عن نشاطات عديدة يمكننا القيام بها..

– البسي تياب مريحة بدنا نمشي، وشال يمكن بالليل يبرد الطقس.

– معقول نتأخر لليل؟

– اتخيلي آخدك ع غابة وما نسهر مع الحطب بالليل، ما بدك تشمي ريحتو؟

 

يومها مارست “اتكاليتي” بشغب، أتعبته قليلًا..

  – في حجرة هون قطعني عنها.

  – بدي اقعد تعبت، قعدني.

  – عطشت، شربني مي.

إلى حين قلتُ له:

  – الشمس زاعجتني، فييني يا مجد!

 

هنا سمعت قهقهةً من شدّتها أظهرت تجاعيد وجهه:

  – ما أحلاكي!!

 

وصلنا إلى العرزال، كوخٌ صغير أعلى الشجرة، الوقوف فيه جعلني أرى لوناً أخضرَ فقط. مجد استطاع أن يرى بعض الأزرق، إنه اختلاف الطول مجدداً. اقترب وطلب مني الجلوس. مرّر يده بين خصل شعري. وضع إبهامه على طرف عيني، أغمضها وحضن بالبقية عنقي، وفي ثانية واحدة فقط اقتحم قميصي القطني ملامساً كتفي، فصرخت ووقفت بسرعة.

– كيف، كيف بتعمل هيك؟!

– ما عملت شي، إنت شو إشبك، في شي حسيت في!!-

– مجد بدي إمشي!!

ساعة مرّت وهو يحاول تهدئتي.. وبعد أن رويتُ له القصة بتفاصيلها، أخذني إلى طرف العزرال، كشف عن كتفي واضعاً يدي عليه واليد الأخرى على جذع الشجرة العريض.

– شو حاسة، مش نفس الملمس؟

– مبلا!! نفس الشي!!

– شايفي، فيكي شي من روح الشجر، يعني الخشب!!

مباشرة فتح محفظته، أخذ قلماً لا يفارقه ورسم على كتفي عصفوراً..

  – هيدا “الحجل” مبسوط على غصنك أكتر من اللي عالشجرة، بدي ربيه ليكبر فيكي.

لثم العصفور مراراً، شمّه، واستحوذ على صاحبته في قلبه دون قفص.

 

في الثلاثينات من عمره. طويل القامة. أول ما لفت انتباهي في لقائنا الأول شعره الطويل، يكاد يصل إلى طرفي عنقه، لا ينفكّ ينسدل على وجهه فيرفعه بيده ويكمل حديثه. يجيد الكلام بطلاقة وبأسلوب جذاب، ربما لأنه دخل عالم السينما والمسرح منذ سنوات وكان قد ترعرع في منزل يهوى الأدب والفن. عندما اتّصل بي في المرّة الأولى، تظاهرت بجدية مفرطة مستخدمة نصيحة جدّي في أسلوب الحوار “ما بقولو إي، بقولو نعم”، ما البال إن كان اتصاله بي بغرض العمل؟

– يعني ما عندك مشكلة بموعد بكرا؟

– لا أبداً وقتي كتير مرتاح.

– الساعة 5 بعد الضهر؟

– نعم.

– ح إبعتلك العنوان تفصيلاً برسالة، اتفقنا؟

– نعم.

لم أدرك يومها أن نصيحة جدّي ستعطي مجد فكرة مغايرة عني، مغرورة وغير اجتماعية. وهذا ما كان، يبدو أن نصائح الأجداد غير مناسبة لكل الأوقات.

وصلت، وإذ به يفتح لي باب المصعد.

– مع إنك مغرورة بس ح إفتحلك الباب حتى لو شفتي حالك زيادة!!

– أنا؟

– نعم!!

 

حينها فهمت مزحته تلك. دخلنا غرفة الاجتماعات، طلب فنجان قهوة وكوب عصير. كيف عرف منذ اللقاء الأول أنني لا أشرب إلا القهوة؟

– العصير إلي؟ أنا طلبت قهوة.

– إنت ما طلبتي شي، أنا طلبت القهوة وما في داعي تتعودي عليها.

– بس أنا بشرب قهوة!!

– لا ما بتشربي، خلينا بالمهم، عندي عمل مسرحي جديد وبدي شوف إذا بتقدري تاخدي في دور، فيكي تقولي من الأدوار الرئيسية.

– بدك تشوف؟ من المفروض قبل ما تبعت ورايي تكون مأكد إذا بدك ياني أو لاء، بالنهاية شغلي معروف وبعتقد إنك شايف ومقيم!!

– صحيح، بس فهمت منك إنو وقتك مرتاح اليوم فقلت حتى لو ما عندي تقييم نهائي منقعد.

 

ظهرت عليَّ علامات الامتعاض، وتتجلّى ببروز الشريان الأخضر في جبيني بشكل واضح، فخبّأته مباشرة بيدي، وما إن شعر أني غير مرتاحة للحوار حتى تبدّلت لهجته، ترك كرسيه وراء المكتب واقترب وجلس إلى جانبي.

 

–  كان بدي حجة لشوفك.

–  أنا؟

فابتسم ورفع شعره عن وجهه:

  – نعم!!

 

خجلت كثيراً، وبدأنا بالضحك، شرحت له قصة هذه “النعم”، التي تكرّرت مع مشاعر مغايرة تماماً في الكنيسة لحظة إعلاننا زوجاً وزوجة.

 

استيقظتُ على اتصالٍ من مجد، كان صوته متعب، مباشرة رفعت رأسي عن وسادتي بطريقة سريعة مما جعل ألماً يسيطر عليه.

  – لي صوتك هيك شو في؟

  – ما في شي خطير ما تعتلي هم، بس لازم شوفك اليوم بالليل، بحكيكي أي ساعة ح امرق وراكي.

  – أكيد، أكيد حبيبي، لي بدك ياه بصير، بس إنو شو في؟ قلقتني!!

  – ما تقلقي، لبسي فستانك الأبيض الطويل إذا ممكن.

  – مجد!!

  – بشوفك، وبحبك.

ارتديتُ فستاني الأبيض الذي تحيطه أطرافٌ من الدانتيل واللؤلؤ العسلي، وضعت أقراطاً مذهّبة صغيرة. احترت كثيراً في تسريحة شعري، إلى أن قرّرت رفعه بالطريقة التي يحبّها مجد، علّه عندما يراه هكذا ينسى حزنه، أليس هو دائم القول “ارفعي شعرك، خليني ضل شايف شريان رقبتك الأخضر”..

فضّلتُ ألا أرتدي حذاء بكعب عالٍ، لأن انحناءة مجد نحوي كانت من أكثر لحظات حياتي حباً وشفافية، كنت أتخيّل فيها مزارع القطن، تلكَ المادة الصافية ملمساً ورائحة وشكلاً، وأشعر رغم وقوفي أنني مستلقية بين نقائها الأبيض.

 

استقبلني بحزن، لم يعر تسريحة شعري أي اهتمام على غير العادة، إلى أن وصلنا فطلب مني النزول، وأحضر من صندوق السيارة محفظة صغيرة. مشينا معاً مسافة صغيرة لم يتفوّه فيها بأي كلمة، بدأت ملامح شجرٍ كثيفٍ تظهر، حجرٌ صخري، نوافذ صغيرة ملونة، إنها كنيسة.

فتح المحفظة، أخرج منها ثوباً أسود، وضعه على أكتافي، أدخل في كمّه الأول يدي اليمنى، في الثاني اليسرى، أغلقه بأزرار صغيرة فأخفى تماماً ما كنت أرتديه، ثم فلت شعري. أحضر منديلاً فأزال لوناً أحمرَ كنت قد لوّنت به شفتاي، بعدها لفّ على رأسي منديلاً بنفس لون الثوب..

لم أكن أتوقع أبداً أنه سيحضرني إلى هنا ويلبسني ملابس جعلتني أبدو كراهبة، أمسك بيدي، وباليد الأخرى فتح باب الكنيسة. دخلنا..

ظلام دامسٌ يبتلع المكان، إلا أن النوافذ سمحت للون فضي من القمر أن يمارس قداساً ليلياً جعلنا ببركته نرى بعض الشيء، طلب منّي الجلوس. أنار بعض الشمع، ورافقني على نفس المقعد الخشبي جلوساً دون أن ينظر إلى وجهي..

 

  – مجد..

لم يُجب.

  – مجد..

شهق بكاءً.

– مجد، شو القصة؟!

– ما تطلعي فيي، خليكي عم تطلعي قدامك!!

– طيب، بس شو القصة؟

لم يُجب.

حالته وحزنه منعاني من الإلحاح. تركته يبكي، وضعت يدي أسفل المقعد، لامست أطرافة الخشبية علّني أهدّئ من روعي فتسكنُ رجفة في جسدي. إلا أنني لم أجد طريقة لجعله ينظر إليّ سوى لفّ المنديل على رأسي مخفية وجهي بالكامل.

 

– لاء!

– بدي خبي كلو.

– لاء، مريم ما كانت تخبّي وجهها، بدي ضل شوفها!

– أنا مش مريم!

– مبلا، إنتِ إلي مريم.

 

مريم، والدة مجد، والغريب أن اسمها الحقيقي هو “سوسن”، لكنها عرفت بهذا الاسم حتى ظنّ كثيرون أنه اسمها، لأنها كانت تحبّ المسيح بطريقة غريبة، وكانت تحرص كل عام على حياكة وتجديد ملابس الراهبات في الكنيسة المقابلة لمنزلهم، فلم يجد لها أهالي الحيّ أنسب من لقب مريم، وهذا كان يفرحها كثيراً. استغرب الجميع عندما رزقها الله مولودها الوحيد ولم تطلق عليه اسم “عيسى”، فكانت تجيب بأسلوبها البليغ “المجدُ له”..

لا يتذكّر مجد من طفولته إلا والدته، ذلكَ أن والده كان كاتباً مسرحياً معروفاً، حائزاً على دكتوراه في الأدب العربي بدرجة امتياز، ما جعله كثير السفر والغياب. علاقة مجد به طيبة، خاصة أنه ورث عنه الكثير من الفصاحة وعن أمه لدغة بسيطة في حرف الرّاء، ما كان يجعله يخفض صوته عند وصوله لهذا الحرف تحديداً في أي كلمة.

والدة مجد امرأة رقيقة جداً، قصيرة القامة مثلي، شقراء، لونها المفضّل هو الأبيض، نبتتها التي كانت تصرّ على زرعها في كل موسم هي الحبق، حتى أنها كانت تهدي منها لكل شخص تزوره ويزورها، “عطرُها سقفُ منزل” كانت تقول، كرسالة منها أنها إلى جانب الجميع في حالِ تعرضهم لأي مشكلة، هي سقفهم، أمنهم وأمانهم إذا لزم الأمر..

الجميع كان يحبها، وبعضهم يستغرب جملًا تصر٫ على لفظها بالفصحى، تضحك هي، تباغت استغرابهم بأنها زوجة أديب.

أُصيبت بسرطان الرحم، ما جعلها تخضع لعملية استئصال منعتها من إنجاب أولاد غير مجد، لكن ما خفّف من وطأة هذا الأمر أنها أمست بخير بعد العملية، أقلّه لفترة معينة.

مرّت سنوات عديدة، يصفها مجد بأنها الأجمل، كان غارقاً بحبّ أمه، ولكنه لم يكن الوحيد الغارق بها، بل كان السرطان مرافقاً له في نفس الغرق، خاصة أنها وبعد عمليتها الأخيرة رفضت الخضوع لكشف دوري، متّكلة على نشاطها وهمّتها الطبيعيتين.

 

– ماتت، برواق، بتعرفي شو يعني الواحد يموت ع رواق؟

– مجد، لو سمحت خلص!

– يعني إنو يروح ويختفي من دون ما يزعج حدا حتى بالصوت!

– ارتاحت من وجعها يا مجد.

– مشتقلها، مشتاق لمريم..

لم أستطع أن أنطق بكلمة، مددت يديّ إلى رأسه وضممته إلي، وسرعان ما احتويته حتى فاحت منه رائحة غريبة، رائحة اخترقت حاسة الشمّ وامتدّت في كافة أنحاء جسدي معلنه حالة من النشوة، إنها رائحة خشب، مجد الذي حفظت عطره عن ظهر قلب لأول مرة أتنشّق هواء خشب يفوح منه، أهو البكاء؟ أم أنها مريم؟

 

السقف أبيض، غبش يغطي عينيّ، ضوء خافت يتنقل في الغرفة من حائط إلى آخر، وأنا عاجزة عن رفع يدي عن السرير. بذلتُ جهداً جبّاراً كي أرفعها علّني أتأكّد أنني لستُ في العالم الآخر ولم ألتحق بالأموات بعد. أين رائحة الخشب؟ أين مجد الذي كان مستلقياً في جوفي قبل لحظات؟ لا أثر لكل ذلك، أنا في غرفة نومي. لا ملابس على الأريكة الصغيرة كدليل على خروجي ليلة أمس وفستاني الأبيض نائم في محلّ تنظيف الملابس منذ ما يقارب الأسبوع بسبب حبّة توت سقطت عليه.

تكرّر هذا الحلم أكثر من مرة، حتى أنني كنت أوقظ مجد ليلاً من قلب القلق فيجيبني ضاحكاً:

  – أول ما لاقي ريحة ع خشب ح جيبها.

فُتح الصندوق الخشبي، مددت يدي إلى داخله، وبسبب خوف وقهر لم أجرؤ على النّظر، اكتفيت بحاسة لمس على طرفه الداخلي، إنها قماشة من مخمل، تماماً كملمسٍ اعتدت عليه.

 

عدتُ للمنزل ليلاً وكان مجد في انتظاري على العشاء. فتح لي الباب، فوضعت مباشرة يدي على فمي كي أخفي ضحكتي، فضحك هو الآخر من دون أن يعرف سبب فرحي.

  – انشالله ما بشوفك غير عم تضحكي، البيت بيتك فوتي.

ضحكت أكثر.

– بعرف بيتي، بس أنا جبت معي شي.

– شو في، طيب فوتي، هيك عالباب؟

– في شي بالسيارة جبتو لنربي.

– شو؟

– يلا تعا.

أخذته بيده، اضّطر أن يواكب سرعتي، فنزلنا ركضاً.

– شوي شوي، رح نوقع!

– لاء، عجِل.

وصلنا إلى السيارة فتحت بابها.

– شوف.

– شو هاي؟

– برداية المسرح، غيروها اليوم فأخدت القديمة.

– بس شو بدك فيها؟

– بدي ربيها عنا، ما بدي شي، ح حطها ع جنب، بس إنو هيك كتير ح إرتاح إذا بقيت شوفها ع طول!

– خليها الليلة بالسيارة بروح بكرا باخدها ليغسلوها وبجبلك ياها نضيفة.

– بحبك مجد.

 

مرّ أسبوع على إحضاري لستارتي، كنت أسأل مجد كل يوم عنها فيجيبني أن الأمر يحتاج لبعض الوقت بسبب كبر حجمها.

بعدها، اتصل بي عدة مرات كي أحدّد له موعد وصولي إلى المنزل. وصلت، فوجدت الباب مفتوحاً على غير العادة، هو ليس في غرفة الجلوس ولا المطبخ، كنت على وشك الصراخ، لا أدري لماذا شعرت أن مكروهاً أصابه، لكن ما لبثت أوتاري الصوتية أن تستعدّ لتنفيذ الأمر، حتى شعرت بيده على فمي.

 

– كيفها المجرة؟

– مجد شو هيدا لي عم تجرب تعملو؟ خوفتني!.

– عم قلك كيفها المجرة؟

– ما بدي جاوب، هاي مجرتي أنا.

– أنا لي اكتشفتها شو نسيتي.

– إي نسيت!

 

رفع شعري عن عنقي، انحنى دون أن يقبّلني.

  – بعدين، قربي لفرجيكي.

 

غير مدركة لشيء، تقدّمت معه إلى غرفة النوم، فتح الباب وإذ بها غرفة جديدة، سريرها ملكي له عواميد أربعة تحمل بأطرافها ستارتي المخملية جاعلة من سريري مسرحاً. لم أصدّق ما رأيت، شعرت لوهلة أنني سأقع أرضاً.

 

– شو هيدا يا مجد، مستحيل مستحيل!

– ح تصيري تنامي مبسوطة.

– أنا من زمان بنام حدك مبسوطة، بس هلق…

– مبسوطة أكتر؟

– صراحة؟

– إي.

– كتير، كتير يا مجد.

مباشرة تمدّدت على السرير وإلى جانبي مجد.

 

– حاسي حالك عالمسرح؟

– لاء!

– كل هيدا ولاء!

– عالمسرح ما في فرشة، منقعد عالخشب وهيك منحس في.

– طيب قومي!

– لاء لوين؟!

 

حملني، وضعني على الأريكة، وأزاح كل ما على السرير حتى أمسى عبارة عن لوح خشبي فقط، ثم أعادني وأرخى جسدي عليه.

 

  – بس الليلة ح نام هيك، لأن مش مريحة.

 

ضحكت مازحة.

  – نام عالكنباية وخليني أنا كل يوم نام هيك.

 

شدّ شعره بيده، محاولاً إظهار غضب مصطنع، اقترب مني.

  – خلي العصفور لي عندك يطير.

رفعت شعري، كشفت عن كتفي، وتركت عصفوري يسرح في مسرحي، بعد أن وقفت على خشبته، بدأت بالدوران حتى أصبت بدوار ألقى بي بين جمهوري الذي كان يصفّق بأصابع مجد.

 

لم يكتب لي مجد ولو لمرة واحدة، كنت أشعر أنه ورغم حبّه لي، واهتمامه بكل تفاصيلي، وسعيه الواضح كي أكون سعيدة، إلا أنه لم يخصّ علاقتنا ولو بنصّ صغير. كان الأمر يثير فضولي وبشدة، خاصة عندما كنت أراه منغمساً في عمله لساعات، يعقد حاجبيه فأستنتج أنه يكتب مقطعاً قاسياً، حتى أنني رأيت لمعة في عينيه مرة، تلك التي تسبق الدمع بخطوة إلا شهقة. يمرمغ شعره بيديه والورق وحتى الطاولة، “معلّق ع فكرة”، وكنت أستنتج من طريقة نومه نهاية القصة، يمسكُ بيدي ويشدّ عليها إن كان البطل قد توفي. يلثم عصفوري والمجرّة إن كانت بطلته سعيدة. يتكوّر ويلتحم بكُلي إن كان هناك يُتم. يشاغب في حال كانت النهاية غير متوقعة. أما إن سكنته الحيرة، يصرّ الليل بطوله على لمس أكثر شراييني بروزاً، ذاك القابع في عنقي، المنتفخ، الظاهر للعيان بشكل كان يخيف البعض خاصة الأطفال. لكن لا قصة كانت تجعله يهجر غرفتنا كما كنت أسمع عن بعض الكتاب الذين تقودهم مزاجيتهم للنوم أياماً وربما أشهرَ خارج المنزل، وهذا ما كان يزيد من غروري الأنثوي الذي سرعان ما يصيبه الإحباط عندما أتذكّر أنه لم يطبع حرفاً واحداً على جسدي، على أطرافه على الأقل. انتظرته مرة حتى أنهى نصاً مسرحياً، أمسك بيدي ليلتها فسألته:

 

– مجد.

– يا حبقة.

– لي ولا مرة كاتبلي شي؟

أفلت يدي.

– لي خطر ع بالك هالسؤال؟

– هو من زمان ببالي، لأن شي غريب، إنو كاتب متلك ما يكون مخصّص حبيبتو بشي! معقول ما بحبها كتير؟

 

تكوّر في داخلي.

– مريم، كانوا يوجعوها رسائل بيي كتير.

– بس مريم كان بيك غايب عنها، كرمال هيك كانوا يوجعوها، بس إنت حدي!

– بتعرفي شو كانت تقول بس توصلها منو رسالة؟

– شو؟

– كانت تقول بفصاحتها (الكتابة لعنة)!!

 

مريم..

متى كبرتُ وأمسيتُ بهذا الحجم؟

لماذا أُجبرت على حمل البندقية؟

وكيف لم تمنعني حنجرتكِ يومها من السفر؟

يا مريم، هبطت السماء هنا فأمسى لون جلدي أزرق.

لا تستغربي، الكل هنا يعاني من هذا اللون.

أرجوكِ ألا تقلقي علي كثيراً، فخلف القلق شيء من الشعوذة.

والعذراوات لا يلجأن لهذه الخزعبلات.

كيف حالُ أصابعك؟

هل لا زلتِ تلفينهم بنفس الرقة حول كل تائه؟

تضعين في أرجل القطط خيوطاً ملونة؟

تصرينَ على الطبخ في حلة وإن أتعبك نقلها من العلية إلى الدار؟

لا تخافي على أحد من جوع القلب يا مريم.

تعلمتُ منكِ أن قحط القلب أشد وطأة من ذاك الذي يخص الجسد والأرض.

فالغيم لا يُنزل ماء مالحاً، والجرح يحتاج للسعة كي يخفض أنينه.

إن اتهمكِ أحدهم أنكِ امرأةُ سوءٍ لا تجيبي، أعلني صياماً فقط.

وإن سألكِ عابرٌ عن زوجك قولي أنه تعثر بزنزانة أثناء بحثة عن الحبق.

أشيري إلى ابننا الذي لم نطلق عليه اسم عيسى كي لا يُصلب.

يا مريم..

صلي لله كثيراً.

أنا الآن أخرس، لكني لست ناكراً للجميل.

قولي له نيابةً عني شكراً”.

 

نظرتُ إلى التابوت. يبدو من أجود أنواع الخشب، نظيف، يلمع تحت خفقة ضوء تسلّلت من عينيّ ربما. بدأت أتفحّصه وكأنني منقّبة آثار وجدت ضالّتها بعد بحث طويل وشاقّ. بنّي اللون، داكن يميل إلى السواد، خيط ذهبي يكسر حدّته. أخذ مكانه أمام المذبحِ تحديداً، وخلفه وقف أبونا الخوري إلياس، صاحب اللحية البيضاء والقامة الطويلة كمجد، والذي كان يردّد دائماً “سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَمَتَى كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَمَتَى كَانَتْ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ يَكُونُ مُظْلِمًا”. أعتقد أنه كان يقصد بكلمة “بساطة” عجز النظر في عينه، فجسده غالباً ما كان ينير بطريقة غريبة، أما اليوم، فكان الشعاع يخرج منه بانسيابية مورقة خاصة عندما حمل المبخرة، أخذ يلوح بها يميناً وشمالاً فصفعَ دخانها بالضوء، مع ترتيل من صوته “فليكُن ذكرهُ مؤبداً، فليكُن ذكرهُ مؤبداً، فليكُن ذكرهُ مؤبداً”.

ردّد الحضور هذه الجملة، إلا أنا، خفتُ منها، كيف نتمنى أن يكون الوجع مؤبداً؟!

أثناء انحنائي ومحاولة تجفيف دمعي بمنديلي لمحت راهبة تقف جانباً، حملت طاقتي بين راحتيّ، وتوجّهت نحوها.

 

– بدي لو سمحتي متل التوب لي لابسيتو، ممكن؟

– اللي أنا لابسيتو!!

– لو سمحتي.

– انطريني شوي.

 

بعد لحظات، أحضرت ثوباً أسود، ارتديته، خلعت حذائي وعدتُ للتابوت، مررت يدي عليه مجدداً، لاحت رائحة مجد الخشبية، وسمعتُ لأول مرة صوت مريم.

 

بتول محمد علي فحص.

كُتبت قصة “رميم” كجزء من مشروع بيروت للقصص القصيرة و هو تعاون بين KfW Stiftung و معهد Goethe لتعزيز المواهب الأدبية الشابة في الشرق الأوسط, ويتضمن المشروع ورشات عمل للشباب الذين يكتبون باللغة العربية والذين يطورون القصص القصيرة تحت اشراف كتّاب مشهورين من بينهم عباس خضر و ديما ونوس. يتم بعد ذلك ترجمة أفضل النصوص ونشرها بالعربية و الانجليزية على موقع adda

About the Author

بتول فحص

بتول فحص هي كاتبة وصحفية لبنانية, تعمل في مجال الاعلام, بما في ذلك التلفزيون. تقدم بتول حاليا برنامج شبابي باللغة العربية يسمى “خطوة”, وتكتب في المجلات الأدبية و هدفها هو الربط بين ثقافات وأدب الأمم, خاصة الشباب منهم.

Related Articles