العاصمة

by Ayham Kazoun

لم يكن كأي صباح أخر، عندما فتحت عيني بدا كل شيء محاطاً بلونٍ ذهبيٍ و رائحة الصباح التي تحملها نسمات الهواء الباردة. كانت تحيط بي هالة بيضاء لفّت كل شيء من حولي، ثم سمعت بضع ضحكات لأطفالٍ كان يلاحقون بعضهم بعضاً لسبب ما في حديقة المبنى المجاور، بعدها شعرت بستائر النافذة وهي تتمايل لتلامس قدماي. كان أول صباح أسمع فيه صوت العصافير منذ سنواتٍ عديدة. الشيء الغريب الذي لم أفهمه هو ذلك الصوت الذي كان يأتي من خلف غرفتي، لم أعلم أن صرصار الليل قد ينشط في ساعات الصباح أيضاً!

قبّل رأس امه و خرج جابر من منزله مسرعاً ليبتلعه زحام المدينة. بدأ يسير وهو يشد حبل حقيبته ليعلّقها على كتفه الأيمن. ثم أخرج هاتفه الجوال ليتأكد من الوقت، ليس لسبب معين، بل كانت عادة قديمة بقيت معه منذ أيام الدراسة في الجامعة.

شق طريقه بين السيارات العالقة خلف إشارات المرور كقطعان الماشية. ليصل إلى السوق الطويل، فأخذ يملأ فضوله بتفقّد واجهات متاجر الألبسة، وقف يتأمل أحد البزّات الرمادية مع ربطة عنق حمراء، في تلك اللحظة سمع صوت بضع كلاب تنبح من بعيد، نظر إلى المارة من حوله محاولاً فهم مالذي يجري حوله ؛ فلا وجود للكلاب البريّة في مدينة طبرة. لم يجد شيئاً خارجاً عن المألوف، كان الناس يمرون مسرعين دون أن يبادله أحدٌ ما نظرات الإستغراب. إلا عينين عسليتين خرجت من خلف الوجوه المتتابعة، كان شعرها الكستنائي يلامس كتفيها مثل ستائر الصباح لتغطي خديها الورديين مع تمايل خطواتها. عندما إبتسمت له بدا كل شيءٍ يطفو في الفضاء بحركة بطيئة ثم تسارعت دقّات قلبه وأخذت عيناه تتحركان بسرعة إلى اليمين و اليسار بإرتباك. بعدها مرت الفتاة من أمامه ثم لتختفي تماماً بين أرتال المارة. مدّ يده ليسحب قبعة معطفه من خلف ظهره ليمدها على رأسه ثم وضع يديه في جيبيه وحنى ظهره قليلاً و تابع سيره.

عندما وصل إلى المكتبة العامة، شعر بهواء بارد قد تسلل إلى ظهره لتنتصب شعيرات رقبته، بدا بهو المكتبة خالٍ من كل شيء إلا من أصوات طرقات خافتة كانت تتناقلها قبة المبنى القديم.وقف جابر يتأمل تمثالاً للقائد الخالد، كتب على أسفل التمثال البرونزي الذي كان محاطاً بحبلٍ أحمر حريري ” ممنوع الإقتراب لأي شخص كان”. تساءل في نفسه، كيف تمكنوا من إدخال هذا التمثال ذو الرأس الضخم من مدخل البناء، ثم أدار ظهره وتوجّه إلى المصعد. عندما وصل إلى الطابق الثاني، رمقته أمينة المكتبة العجوز بنظرة إشمئزاز وهي تركّزعينيها على قبعة جابر، لم يعرها أي إهتمام وتابع سيره متجهاً إلى قاعة القراءة. كانت تجلس هناك تقرأ كتاباً ما، ثم رفعت رأسها فجأةً ليرى عينيها العسليتين، مدّ يده بحركة سريعة ليمسك بأقرب كتابٍ من على الرفوف أمامه ومن ثم ليرمي بوجهه بين الصفحات. لسببٍ ما لم يشأ جابر أن يبادلها النظرات، بل أخذ ينظر إلى وجهها المدّور من زاوية عينيه أو ليحدق بالسقف تارةً وبعدها ليتأمّل غبار الزاوية، في تلك اللحظة شعر بهواء قارص البرودة يلف وجهه بعدها إمتلأت جواربه بالماء. بدأت جدران المكتبة بالإبتعاد وأصبح جميع القراء يحدّقون به بأعينٍ تشبه أعين سمك القرش خالية من الحياة. لحظات بعدها بدأ كل شيء بالإهتزاز ثم اختفت المكتبة وطاولة ، ففتح عينيه ليجد ضابط التجنيد وهو يركل قدميه، بعدها طغت هالة ٌسوداءٌ تماماً.

بحثت والدة جابر في الظلمة الحالكة عن أعواد الثقاب، فتحت أحد أدراج المطبخ وقلبت محتوياته على الأرض ثم أضاءت شمعةً قصيرةً وتوجهت مسرعةً إلى غرفة جابر، لم تشأ أن ُتفزعه ففتحت باب الغرفة بتمهّلٍ لتجد جابر وهو يرتدي معطفه ذو القبعة الصوفية، حاولت الكلام بهدوء، إبتلعت دموعها وقالت: عليك المغادرة الأن، لقد وصلوا إلى الشارع المقابل لمنزلنا. إلتفت جابر ثم إقترب من أمه فوضع يديه حولها وأغمض عينيه ثم ملأ رئتيه برائحة شعرها. لم يجرؤ على النظر مباشرةً إلى عيني أمه فلقد كان يخشى أن يرى دموعها. تنهد قليلاً ثم قال: لا تحزني يا أمي لن يمسكوا بي سوف أختبىء ليومين او ثلاثة أيام ثم أعود لأشرب قهوة الصباح معكِ. قبّل يدي أمه وحمل حقيبة ظهره ثم فتح باب المنزل ليبتلعه ظلام الليل. لم يعلم جابرانه لن يرى وجه أمه مرة أخرى أو أنه لن يوصل شقيقته إلى حافلة المدرسة بعد اليوم. أكثر ما أزعجه هو صوت رصاص القنص الذي كان يخرق خزانات المياه على أسطح الأبنية، بدا كل شيء مبتلاً تماماً، حاصرته أصوات المياه المتدفقة على الأرصفة وتلك الرائحة التي تمزج بين الأحلام الميتة و النعاس الشديد.

خاطب نفسه قائلاً: علي الإبتعاد عن الطرقات العامة وعن أي تجمع للناس، ربما فرصتي الوحيدة بالإختباء في غابة الصنوبر، لطالما أحببت الجري في تلك الغابة.

وصل إلى مفترقٍ للطرقات، ثم جثا على ركبتيه ليختبئ خلف إحدى السيارات المتوقفة. أخذ يسترق النظر من خلف الزجاج الأمامي ليرى نقطة تفتيش للجيش حيث كانت هناك شاحنة عسكرية واقفة و عدد من الجنود الذين كانوا يقتادون عشرات الشبان إلى جانب الشاحنة.

  • هذه فرصتي الوحيدة، أفضل الموت على أن أدخل في تلك الشاحنة.

مسح جابر الصقيع من على أنفه بطرف معطفه و أخذ نفساً عميقاً، لكن قبل أن يطلق قدميه سمع صوتاً مألوفاً، حدّق جيداً في وجه الشبان المصفوفين عند مؤخرة الشاحنة ليرى صديقه سليم وقد كبّلت يداه.بدأت الأفكار تتزاحم في رأسه وهو يصرّ على أسنانه ويهز رأسه إلى الأمام وإلى الخلف:

  • هذا صديق طفولتي لقد كبرنا سويّاًّ، هل تريدني أن أتخلى عنه الأن، هنا على حافة الرصيف؟
  • إخرس أيها البطل الخارق، هل لديك خطة أفضل من الهرب ؟ هل لديك جناحين، هل تملك بندقية لتنقذ جارك الأحمق؟ أو هل تفضل أن تنضم إليه في صندوق تلك الشاحنة؟

فرّت دمعةٌ من عينه لتنزلق على خده ثم لتصطدم بلحيته المتجمدة، مسح جابر عينيه بكلتا يديه ثم بدأ يركض بكل قوته ليسمع صفير الهواء وهو يلامس أذنيه.

إهتزت أذنا أحد الكلاب ليبدأ بعدها بالنباح مقاطعاً صراخ ضابط التجنيد الذي كان يدوس بجزمته البنيّة على رأس أحد الشبان المكبلين، أدار وجهه ليلمح ظلاً ما إختفى بين السيارات المتوقفة، فإبتسم الضابط وبدأ يعوي مثل الذئاب المسعورة ثم صرخ بحماسة: أطلقوا الكلاب، يبدو أن أحد الأرانب يحاول الهرب.

ركض جابر بكل قوته حتى شعر أن قفصه الصدري كاد أن يسقط من مكانه، سمع صوت الكلاب القادمة وصفير الجنود، ركض حتى وصل إلى أطراف غابة الصنوبر، لم يشأ أن يعبر الجسر الحجري ليجتاز النهر المحيط بالغابة؛ أراد أن يخطو في مياه النهر لتفقد أثره الكلاب. وصلت المياه إلى ركبتيه، كان أكثر مايخشاه أن يسقط فيتجمد من البرد. مشى رافعاً ذراعيه حتى وصل إلى الضفة المقابلة لكنه لم يتوقف ليلتقط أنفاسه ولا حتى لينظر إلى الوراء، كل ما كان يحوم في رأسه هو صورة الشاحنة الخضراء. تابع جريه في الغابة وهو يقفز فوق الجذوع الميتة مدة ساعة ونصف الساعة، ثم بدأت السماء تسقط رقائق الثلج الناعمة. عندها بدأ الأدرنالين بالتراجع في جسمه، ثم شعر جابر بسكاكين حادة تقطّع رئتيه، توقف فجأةً وأمسك خاصرتيه ثم راح يخاطب نفسه: حسناً حسناً، أعتقد أن هذا كافٍ، لن يجدوني هنا، لا أستطيع أن أرفع قدمي مرة أخرى.

توقف قرب أحد الأشجار العريضة، ثم نظر حوله فبدت له الغابة هادئة تماماً إلا من صوت صراصير الليل ومن صوت أخر كان يطرق قرب أذنه، كأن قلبه قد أصبح في داخل رأسه. أسند ظهره إلى جذع الشجرة الضخمة وانهار على الأرض.

أرجع رأسه قليلاً إلى الخلف ثم شدّ قبعته لتغطي رأسه و الجزء الأعلى من وجهه. ثم أخذ يراقب رقائق الثلج وهي تتجمع على قدميه المتجمدتين، راح يتنفس بعمقٍ محاولاً إلتقاط أنفاسه.

بدت له الأرض مريحةً جداً ثم شعر بنعاس مفاجىء أثقل عينيه، عندها أصبحت حبات الثلج تتساقط ببطءٍ شديدٍ كأنها عالقةً في منتصف الهواء ترفض الإنصياع للجاذبية، تتحدى قوانين العالم لتسقط كالشهداء في ثورةٍ بيضاء.

أغمض جابر عينيه وهو يتمتم بصوت منخفض و متقطع:

“نعم نعم..أعلم نعم ، أنا أيضاً لا أريد النوم هنا لكنني تعبت من الهرب، لا تقلق سوف أغمض عيني لخمسة دقائق فقط”

أقترب الضابط منه وهو يحاول أن يتقهقه مثل الضباع، ثم راح يركل قدمي جابر وهو يقول: ” إستيقظ يا أرنب، إن الوطن يناديك، إستيقظ يا حيوان”

فتح جابر عينيه ليرى مجموعة من الجنود تحيط به وهم يوجهون فوهات بنادقهم إليه، ثم رفع رأسه قليلاً و نظر إلى ضابط التجنيد الذي كان يقف عند قدميه واضعاً يديه خلف ظهره.

تنهد ليطلق من فمه سحابة بيضاء وقبل أن يتفوه بأي كلمة ، أقترب منه أحد الجنود وضربه بأخمص بندقيته لينقلب على صدره، ثم ليفيض فمه بالدماء. بعدها إقترب الضابط منه وقال: “هذه ليست بسبب محاولتك الهرب، بل لأنك توقفت عن المحاولة”

لطالما شعر جابر كمن يشاهد أحد الأفلام، يجلس في أحد دور السينما يشاهد شخصيات وأحداث وأطفال تموت، ومدن تحترق. كانت مشكلته الوحيدة أن هذا الفيلم الطويل لم يكن فيه أبطال ولا ألواح خشبية من الورق المقوى لتمثل أحد المدن الخيالية. كان يشاهد أحداث من حياته اليومية، أشياء تحدث وأشخاص تظهر وجوههم كانت أقسى من أن تصدق.. ربما بطريقة ما كان عقله يفضّل إنكار الواقع، أو ربما كان من الأسهل على شخص ما أن يجلس في الصفوف الخلفية ليشاهد حياته كأحد الأفلام المّملة التي ستتنتهي قريباً.

لم يكن الهدف من فترة التدريب تقوية الجنود أو تدريبهم على مهرات البقاء ولا حتى التثقيف السياسي، كانت عبارة عن نظام ممنهج للقضاء على الإنسان في داخل كل مجند، لينسى رائحة أمه وصوت الصباح في أيام العيد. عندما تتحول إلى جثة تنتظر الموت.. عندها تصبح جندي مشاة.

بحث عن طاولة خالية من الجنود ليتناول وجبة الفطور لكنه لم يجد سوى كرسياً واحداً قرب طاولة كانت في وسط غرفة الطعام. وضع كأسه الحديدية وبدأ يتناول وجبته اليومية التي بدت له خالية من أي طعمة معينة. لم يفلح جابر في الجلوس وحيداً فلقد كانت الطاولة مليئة بضباط المدفعية، كانت ضحكاتهم وصراخهم أقوى من أن تعزلها أحلام جابر الصباحية، لم يشأ أن يشاركهم أطراف الحديث بل جلس يشاهد وجوههم الممّلة بوجهٍ خالٍ من التعابير. أخذ ضباط المدفعية يتكلمون عن عظمة الجيش الوطني وعن أحد الأبطال الذي دمّر عدداً فلكياً من الدبابات والمدارس. أكثر ما أزعجه في تلك الجلسة الصباحية هو فشله في تفادي قطع الطعام المتطايرة من أفواه الجنود أمامه. لم يرغب أن يقف ويغادر الطاولة فجأة في خضم الحديث عن البطولة الوطنية، أي فعل أو تعبير عن التشكيك كان يعتبر من الأشياء الخطيرة التي قد تؤدي بك إلى النوم في باطن الأرض. لحسن حظه، إقترب سليم من أذنه وقال له: بدأ الاجتماع الصباحي، أحضرت لك أشياءك من المهجع. إستأذن جابر وصديقه من ضباط المدفعية وتوجّها إلى ساحة الاجتماع الصباحي. وقف جابر خلف سليم في الصف، وضع خوذته على رأسه وبندقيته على كتفه الأيمن وأفرغ يديه من أي شيء قد يعيق حركتهما. كان التصفيق بعد الخطاب الصباحي عادة يومية بمجرد انتهاء ضابط الإعلام السياسي من الصراخ على المذياع. لم يمانع جابر التصفيق فلقد كان صقيع الصباح يلتهم أطراف أصابعه، إلتفت سليم إلى جابر وقال له: “لقد وصلت الأوامر الجديدة، وقد طٌلب من فرقتنا التوجه إلى وسط المدينة.. إلى خندق الإستقلال”. لم يفهم جابر سبب نبرة صوت سليم الحماسية، لم يعرف أن وراء صوته العالي كانت هناك رعشة خوفٍ ترقص داخل صدره لتهز شفتيه.

فرقة جابر كانت مؤلفة من سبعة جنود وهاني كان الملازم الأول وقائد المجموعة. هاني كان كمعظم الضباط حينها يافعاً في العمر لكن كانت علامات الهرم بارزة في عينيه وفي رجفة يديه، كانت الحرب والصراخ المتواصل كآلة السفر عبر الزمن…من السهل أن تفقد الكثير من سنواتك في بضعة أيام.

بدأت الفرقة بشق طريقها تحت حبّات المطر الصباحي، بدأوا بهبوط الجبل متوجهين إلى المدينة.. طبرة. في ذاكرة جابر كانت أزقة المدينة تردد صوت أمه تناديه لتناول وجبة الغداء …أما اليوم لا يدخلها أي شيء ولا يخرج من شوارعها إلا الدخان.

حين وصلت الفرقة إلى أسفل الجبل بدا لهم شبح المدينة من خلف ومضات القذائف التي كانت تنخر أبنيتها. إقتربوا من مدخل أحد الشوارع فأشار لهم هاني أن يدنو إليه وقال لهم: “انتبهوا أين تضعون أقدامكم وأبقوا متيقظين، الألغام والقنّاصة في كل مكان”. كان جابر يسير على أحد الأرصفة ليشاهد ما بقي من جامعة الصحافة ومن مبنى البلدية القديم. كان يشعر مع كل خطوة كأن الرصيف يلتهم شيئاً من قدميه، يفقد القليل من إسمه والقليل من وجهه مع كل نقطة عرق من جبهته..كان يشاهد مدينته لأول مرة منذ أن بدأت الحرب، يشاهد الجدار الحجري المائل الذي كان يحيط بمبنى الجامعة كيف نالت منه ثقوب الرصاص.. لم يبقى من المدينة إلا العشب البري الذي نال من كل شيء. أكثر ما أزعجه حينها هو حبل بندقيته الرفيع الذي أخذ يشق طريقه إلى عظم كتفه الأيمن وذلك الصمت الأصم الذي كان يحيط بكل شيء.

تابعت الفرقة سيرها متجهة إلى قلب العاصمة، حاول جابر التعرّف على المعالم الجديدة لمدينته عندها رأى أحد الشوارع، ذلك الشارع العريض الذي كان يسلكه للذهاب إلى المدرسة في كل يوم. توقف عن السير على رؤوس أصابعه وانتصبت قامته وبدأت عيناه تمسح الساحة العامة حيث كل شيء كان يعبس في وجهه. كانت هناك تستريح على طرف الرصيف المبعثر، حديقة الحمراء العامة.. عندما رآها لم يستطع التعرّف عليها إلا من خلال البوابة الحديدية القديمة التي بقيت صامدة، تلك الحديقة التي كانت تأخذه أمه إليها كل يوم جمعة بعد المدرسة. كانت عيّنا جابر تحدّق بكل ما بقي من الحديقة العامة وبذلك المقعد الخشبي الذي كان يستلقي منهكاً بجانب بعض الأزهار البريّة كمهاجرٍ خرج من قعرالمحيط ليرمي برأسه على رمال الشاطئ ، كل ما يستطيع تذكّره كان في تلك الحديقة.

في منتصف حلمه الصباحي، بدأ يسمع صوتاً خافتاً في مؤخرة عقله أخذ يتحول إلى صراخٍ مألوف.. إنبطح! عندها إلتفت إلى مصدر الصوت ليشاهد فم هاني وهو يصرخ: “إنبطح أيها الأحمق”. لا شعورياً سقط جابر على الأرض وحطّت بضع رصاصاتٍ على الجدار خلفه. كانت هناك كتيبةً للعدو قد زرعت دشمةً لتحمي موقعها، لسببٍ ما لم يلاحظ جابر فوهة الرشاش المضاد للطائرات في وسط الحديقة العامة. إستمر الرصاص بالتساقط حول جابر الذي أخذ بالزحف باتجاه سليم الذي كان يستلقي مع سائر الكتيبة خلف هيكلٍ متفحم لاحدى الحافلات القديمة، إقترب منه هاني وسحبه من حبل بندقيته وقال: “يرسلون لي الحمقى دائماً..الحمقى والمجانين مع كل مهمةٍ لعينة”. لبضع دقائق توقف هدير المدفع الرشّاش قال سليم: “علينا التراجع إلى المبنى خلفنا، قد نجد طريقاً ما حول الحديقة”. أمسك جابر سليم من معطفه بكلتا يديه وجذبه نحوه وخاطبه بوجهٍ لفحته نار الغضب: “ربما عليك أنت الرحيل إلى الخلف.. لقد أخدوا حديقتي، هذا الشارع لي، وذلك المقعد الخشبي أسفل الدشمة هو لي أيضاً”. بضعة قنابل يدوية حطّت أمام الحافلة القديمة لتقاطع صراخ جابر، نصف جبلٍ من الغبار حطّ على الجنود وعمّ صمت خلا من كل شيء إلا من أنين بعض الجرحى الذين سقطوا وهم يلمّلمون ما بقي لهم من أطراف. قذيفة هاون، وأخرى سقطت عشرةٌ أمتارٍ على يمين الحافلة، كان جابر يعانق بندقيته بكلتى يديه وهو منبطح على بطنه ليسمع صراخ هاني: “أطلقوا النار على منتصف الدشمة..منتصف الدشمة” وبدأ الرصاص يتراقص ليحوّل كل شيءٍ إلى فتات. زحف هاني إلى ملازم الراديو ولصق فمه بأذنه وقال: “عليك أن تتصل بمركز القيادة، بغرفة ضبّاط المدفعية، أعطهم إحداثيات موقعنا.. زوّدهم بالأرقام بدقة تماماً مثل التدريب الأولي في المعسكر.. أخرجنا من هنا”.

لقّم سليم إحدى القذائف الصاروخية وطلب من جابر أن يغطيه بسلسلة رشقات، ضغط جابر على الزناد بكل قوته وهو واقف تماماً، لم يرفع إصبعه حتى بعد سماع طرطقة بندقيته الفارغة، ليتبعها أزيز قذيفة سليم التي أصابت أسفل الدشمة لتسقط المدفع الرشّاش بمن عليه. عندما رأى جابر أجسام الجنود تتدحرج من خارج الدشمة ألقى بندقيته الفارغة وأخرج مسدسه التسعة ملم وبدأ بإطلاق الرصاص وهو يسير بخط مستقيم نحو المدفع المشتعل، إستقبلت الرصاصات كل من كان يولد من خارج سحابة الدخان، لم يوقفه صراخ هاني بالعودة، ظلّاً تلو الآخر أخذ يطلق الرصاص حتى ظهر جنديٍ أخير من خلف الأجمات البريّة، حاول أن يرديه لكن عوضاً عن إرتداد المسدس وصوت الرصاصة لم يسمع سوى قرقعة الحديد الفارغ، لمعت يد الظّل أمامه وشعر جابر بشيءٍ حار إخترق صدره، لم يسقط جابر بل أمسك بفوهة مسدسه ليحرق قبضته ثم رمى به باتجاه الجندي أمامه. في تلك اللحظة علت السماء بصوت صفيرٍ مألوف، صفيرٍ أخذ يقترب من الحديقة الحمراء، أربعة قذائف كانت تشّق طريقها إلى قلب الحديقة لتحّطم كل شيء..لتهّز كل شيء، لتنهي كل شيء.

فتح جابر عينيه ليجد وجه سليم فوقه وهو يصرخ كالأطفال بعباراتٍ لم يفهمها، رفع رأسه قليلاً ليرى قوس الحجر الرملي الذي كان يحيط ببوابة الحديقة قد بدأ يتفكّك.. ليتهاوى تماماً لتتبعه بعد ذلك البوابة الحديدية المزخرفة وليختفي كل شيءٍ في الغبار. بطريقةٍ ما، نجا المقعد الخشبي الذي كان على مقربةٍ منهما، أبعد جابر وجه سليم من أمامه وبدأ يزحف حتى وصل إلى أسفل المقعد، جرّ ما بقي من جسده محاولاً الجلوس على الألواح الخشبية المنهكة، ألقى بصدره على الطبقة العلوية لكنّه لم يستطّع أن يجلس، وإذا بذراعين تسحبانه إلى الأعلى ليجلس بشكلٍ مستقيم، نظر إلى سليم بجانبه فرأى عينيه وهما تغرقان بدموعٍ سوداء فرّد عليه سليم بابتسامةٍ حزينة: “لقد استعدنا حديقتك يا صاح”. بصق جابر بعض الدم من فمه و تنهد قائلاً: “سليم، هذه الحرب جعلتني أتساءل، ربما هذه الأرض هي فقط لم تكّن يوماً لنا”. ردّ سليم: “أنت تتكّلم كثيراً بالنسبة إلى شخصٍ حطّت عليه أربعة قذائف..فرق الإسعاف في الطريق إلينا”. وصل هاني إلى الاثنان وهو يلهث، نظر قليلاً إلى جابر وبدأ يمزّق قطع قماشٍ من بذته العسكرية، جثى محاولاً تضميد جروحه، رفع رأسه وهو يحّرك كلتا يديه بطريقةٍ هيستيرية وقال: “أيها الأحمق العنيد..أنظر ماذا فعلت بنفسك” ثم أشار لسليم بأن يساعده بلّف قدم جابر اليمنى. كانت فكرة جملية جداً بالنسبة لجابر ان يرمي خوذته ويجلس على الكرسي المائل،ثم ليتأمل مابقي من مدينته فلم يجد سوى عبارات النصر على الجدران. أكثر ما تمناه في تلك اللحظة أن يمتلك المزيد من القوة ليخلع حذائه العسكري.

إلتفت إلى سليم وسأله: “أي أيام الأسبوع اليوم؟” ردّ عليه سليم بطريقة سريعة:” إنه يوم الجمعة”، فابتسم جابر وأغمض عينيه.

أخذ يقلّب حبات الليمون في يديه يشم بعضها ثم ليضعها في كيسه الورقية. مشى بحركةٍ ثقيلة بإتجاه البائع الذي كان يحاول بإستعجال أن يلتقط إذاعةٍ ما ليخرج صوت المذيع المتقطع ” في الذكرى الخامسة لإنتصار الثورة…” عندها ضغط جابر بأصبعه على هوائي لينطوي في داخل المذياع ، ثم رمى بعض الأوراق النقدية على الطاولة طلباً فنجاناَ من القهوة.

لطالما شعر جابر بالغثيان في هذا اليوم من كل عام. ومن صراخ ضابط الإعلام السياسي الذي كان يعلو إلى مستوى جديد من النشاز البشري مع كل عام، و من تلك التحيات الصفراء التي يتبدلها عناصر المليشيات فيمابينهم في عيد الثورة وهم يرفعون علماً كانوا قد رموه مرات عديدة ليعكسوا فلسفة القطيع الساحق ..بدت لجابر كأنها لعبة طفولية او مزحة مملة نعيدها كل سنة..لم يفكر جابر بالأمر كثيرا بل إكتفى بالتساؤل وهو يرتشف فنجان القهوة على إحدى الأرصفة.. بعد مرور خمس سنوات على إنتصار الثورة؛ لم ساحة الإستقلال محاطة بجدارٍ عازل من الحواجز الحديدية و الأسلاك الشائكة؟ ولم صور الشهداء مازالت تلصق مبعثرة على جدران العاصمة؟

 

كُتبت قصة “العاصمة” أثناء ورشة كتابة بعنوان “قصص قصيرة في بيروت”،  في مارس ٢٠١٦ ببيروت،  وتنشر هنا من خلال تعاون ما بين KfW Stiftung مع Goethe-Institut بلبنان،

و Litprom Literaturen der Welt بفرانكفورت، و Commonwealth Writers ، وذلك بهدف دعم الكتاب الجدد الذين يعيشون في بيروت ويكتبون بالعربية.

لمزيد من المعلومات عن Beirut Short Stories إضغط هنا

Illustration © Vaishali Jain  Instagram logo facebook-flat-vector-logo-400x400 behance-be-logo-01

 

About the Author

Ayham Kazoun

Ayham Kazoun is a Lebanese writer and blogger. He is currently a Partnership Coordinator at Save the Children (Lebanon) and has worked as a Projects Coordinator for the British Council. He has written for Shbab Alnahar newspaper and writes his own blog here.
Twitter: @ayhamkazoun

Related Articles