أنيس زكريا “”قول للنوم ينام

by ا صيداوي

أنيس محمد زكريا أو أنيس زكريا أو زكّور الأخرس، كلّها مشتقّات لإسمي. إسمي الحقيقي أنيس إلا أن أمي كانت تناديني محمد. هي تعتقد أنه إسم مبارك وأنا أعتقد أنه إسم آخر يميّزني. حين ولدتُ رأت أمي في منامها صبياً أشقرَ الشعر يركض حولها في بستان أخضر، وكانت تنادي عليه بإسم محمد.. أبي كان يومها قد أسماني أنيس وحسم الموضوع، لكنها بعد ذلك المنام أصرّت على إضافة إسم محمد إلى إسمي الأول. اعتقدت أنني أشبه ذلك الطفل في المنام وكانت تصفه بأنه أشقر الشعر، بشرته بيضاء وعيناه خضراوان تماماً مثل الأجانب. وحينما بدأت ملامحي بالبروز كنت أرى في المرآة نفسي أبعد ما أكون عن ذلك صبي المنام ذاك.  فأنا أسمر اللون بشعر أشعث وبعينين بنيّتين شاحبتين. أسناني الأمامية تتسلّق بعضها البعض بشكل مضحك.

الحقيقة أن إسم أنيس كان يناسبني أكثر! فهو من أكثر الأسماء استخداماً في المخيّم. وأنا كنت الصبي الوحيد الذي لم يحظَ بلقب مثل باقي الأولاد في الحارة. واعتبر سكّان المخيّم أن إسم أنيس هو لقبي. ببساطة، كنت أنيس زكريا الذي يُنادى عليه للسؤال عن الشاردة والواردة في المخيم. فأنا الخبير بأحوال الطقس، أعرف متى ستمطر ومتى ستأتي العاصفة المنتظرة، مستقرءاً أيضاً مقدار الحرّ في أشهر الصيف. كنت الوحيد الذي يصعد إلى السطح ويمضي وقتاً طويلاً في تأمّل السماء. تعودّت أن أجيب على أسئلة المارّة في الحارة بسرعة. كل ما أفعله هو أنني أهزّ رأسي صعوداً أو نزولاً لأعطي جواباً حول إمكانية المطر أو اقتراب العاصفة. ضليع أنا في قراءة الطقس وسريع في تقديم الإجابة. خبير الطقس أنا.

أنا أنيس محمد زكريا، أو أي إسم آخر اختارته أمي أو سكّان المخّيم، كنت أيضاً بارعاً في مراقبة تحركّات الجميع. ببساطة أعرف وجهتهم وحكاياتهم. أثبتّ قدرتي على حفظ قصصهم وكان أهل المخيّم قد تأكّدوا في أكثر من مناسبة أنني موسوعة في حفظ “هاد وين راح وهاد وين اجا”.

أثناء ممارسة كل تلك المهن من موقعي فوق سطح بيتنا الذي يتوسّط جورة التراشحة في مخيّم البرج، كنت أحبّ أيضاً قضاء وقتٍ مع الحمام. أطعمه وأدفعه إلى مغادرة السّطح للطيران وغزو سماء المخيم. كانت أعداد طيور الحمام تتراوح بين التسعين والمائة وهي تملأ الفراغات في سماء المخيّم كلّما حلّقت برفقة بعضها البعض. أستمتع برؤيتها تدور هناك في السماء، لتعود بعدها إليّ بصحبة رفاق جدد. لطالما فضّلت الطيور البيضاء على تلك الملوّنة، إلا أنني وبحسب خبرتي في معرفة بأنواعه، كنت أدرك أن الحمام ذي الألوان الترابية هو الأغلى ثمناً والأكثر تميّزاً لدى تجّار الطيور. ومع ذلك، أحببت الحمام الأبيض بأعينه الناعسة، يحلّق كنقاط بيضاء لوهلة، تصبح كما الغمام. كانت تشعرني طيوري بالفخر إذ تشبه الطائرات الحربية كما يقول أبوعماد: “تحلّق في الأعالي لكنّها لا تطلق النار”.

في المخيم، لن تشعر بالملل على الإطلاق. لكنك قد تشعر بين وقت وآخر بعوارض الإحباط الذي يسري في أجساد الجميع لأيام ثم يختفي. في السابق، كانت عوارض الإحباط على حدّ قول أمي نادرة. بينما تزداد اليوم بفعل الضغط السكّاني. فأعداد الناس هنا في تزايد يومي. لا نتوقّف عن إنجاب الأطفال. فيما مضى اعتقدت أننا نكثر من الإنجاب بعدما اكتشفنا اللذة. “إنه عمل عجيب”، يردّد الشيخ أبو فارس للجموع من حوله. “يا عمّي هاي عوالم اللحظة من الملايكة، تمتّعوا بس مش ضروري تفقسوا ولاد كل شوي، بطّل في محل بالمخيم”..

كانت الكائنات الصغيرة لا تتوانى عن اكتساح زواريب الحارة وابتكار ألعاب جديدة، يتخلّلها الصراخ طبعاً والقفز فوق تجمّعات المياه في الزورايب وتعذيب الجرذان أحياناً. الأطفال الجدد كانوا دوماً يبحثون عن تسلية يسهل الحصول عليها بين زواريب المخيّم وفي المقبرة. وكان هناك دائماً بعض الأطفال من أصحاب المميّزات الخاصة، إما بسبب مهاراتهم في تخليص أنفسهم من المشاكل، مما منحهم ألقاباً ذات ايقاع رنّان كما يقال. كالصبي حسين الذي قضى على القسم الأكبر من الجرذان بعد أن ازداد عددها في المخيّم، مما أعطاه لقب:  “أبو الزعيم”. صبي آخر يدعى يوسف، لُقّب بـ”أبو علي” لسرعته في شطف المياه التي تطوف من البيوت في فصل الشتاء. بالطبع كان هناك أولاد تأخرّوا في نيل الألقاب مثلي واستحقّوا ألقابهم في مرحلة الشباب. منهم حنكور وكيمو وسفروت. وهؤلاء كانوا ضليعين في تدخين الحشيشة وتهريبها. يعملون على مشروع خلط مياه المخيّم بالحشيشس. وحلمهم الكبير طبعاً بيع الحشيش في سوق المخيّم المركزي، وهم يقومون بالترويج له ومحاولة إقناع الأجهزة المسؤولة عن الأمن في المخيّم بضرورة السماح بتدخين الحشيشة. بالطبع، جعلهم الأمر ذاته ضليعين أيضاً بسجون المخيّم. وهم بطبيعة الحال، يفضّلون سجونه على السجون اللبنانية. أما الألقاب الأخيرة فكان يحملها الشبان الذي أكملوا جامعتهم وحقّقوا أهدافاً دراسية. وألقابهم كانت تأتي على الشكل التالي: “أبو غسان، أبو زهدي، أبو ال….”.

استطعت في مخيّمنا صنع برج مراقبة لا يستهان به. فسطح بيتنا يطلّ على معظم البيوت وعلى بحر بيروت أيضاً. أمي تقو”ل: “إن الشبّان استعملوا السطح في حصار المخيّمات للمراقبة أيضاً، نظراً لعلوّه وموقعه في وسط حارة جورة التراشحا، وهي الحارة الأكبر في المخيم التي تجمع سكان مدينة عكا وترشيحا”. اعتبر السطح آنذاك من الأماكن الخاصة التي يدخلها المناضلون فقط. وقد ابتكر الشبّان طرقاً لمراقبة دبابات “حركة أمل” عبر استعمال علب النيدو وصنع فتحات بداخلها. تُرفع تنكات النيدو باتجاه المحاصرين من “حركة أمل”. في الوقت نفسه، يتبختر أبوعماد وكأنه “شمشوم زمانه” كما تصفه أمي، يرفع سبابته إلى الأعلى ويأمر البقية ببدء المراقبة. يتأهّب الكلّ للتحديق مدّة ساعتين وأكثر، مما يجعل الكثير من بينهم، يُصاب جراء تلك العملية بالدوار، أو الاسترخاء إلى درجة الحاجة للنوم.

إنه أقرب ما يكون إلى “يوغا الحرب” في فن المراقبة. ها أنا أبدأ من جديد بالتفلسف والاستطراد. حاجتي إلى إعطاء المعنى لما كنّا نفعل مثيرة للشفقة. على كل حال، كان يسجّل أبو عماد المعلومات حول عدد الدبابات وكيفية تحرّكها ومن ثم يبعث لوالدي إشارة لمعاودة الحفر تحت الأرض. تقول أمي إن الجميع قد جنّ في عملية الحفر تلك. فقد أشاع الكثيرون أننا سنجد كنزاً تحت أرض المخيّم. ومنهم من أكّد أن تلك الأنفاق لن يكون من شأنها إخراجنا من المخيّم فقط، بل إنها ستكون مقابر مناسبة لنا أيضاً. “حفرنا بدون صوت وبليلة فيهاش ضو قمر واحنا عم ناكل البسينات وميتين من التعب وصلو الشباب بالحفر لعند محطة البنزين اللي ع حدود المخيم، فاتو عبو غلونات بالبنزين ومن دون ما ينتبهوا عليهم شباب الحركة رجعو وانتشر الضو بالمخيم. الناس فرحت وعملت عرس، وزغاريد وضحك.. وشباب الحركة واقفين يا حرام ومش عارفين ايش وكيف صار كل هاد. اي ما ضلش حدا ما حطش ايدو بالحفر مني وجر، نسوان ورجال وولاد، قلنا منموت سوا أو منعيش سوا مش فارقة يعني” .

حصلت على السطح بعدما انتهى الحصار وبدأت أعي المسؤولية الملقاة على كتفيّ. حرصت على امتهان فنّ المراقبة لكن هذه المرة بشكل غير محصور بالدبابات بل يتعدّاها إلى منطقة الخيال. أروح أتخيّل ما أريد وأراقبه. أطلق العنان للخفّة التي تنتابني في القلب كلما شعرت بعبور الريح فوق جسدي. أتخيّل جنيات بيضاء تقف على الغيم وتنادي علينا كي نترك المخيّم ونحتل مخيّم آخر هناك. أتخيّل وجوهاً في السماء. وجوه فوق وجوه تتشكّل سوية لتصنع أرجوحة ضخمة تبتسم فيبتسم المخيّم، تغضب فيغضب. كلّ ما في داخلي يتخيّل داخلي يتنهّد ويعبر ويخلع كل ما عليه من رداء. عريّ كامل. لا قماش فوق ولا قماش تحت. لا شبابيك في البيوت، لا بيوت أصلاً. يصبح المخيّم كلّه هواء. يسكن الهواء ويمتلئ هواء.

 

لا أذكر أنني عانيت من مشكلة صحية واحدة في صغري. كنت (ما شاء الله) على حدّ تعبير أمي كالسّبع. لكنني كنت قليل الكلام، شديد الحساسية من أي شيء جديد. لا أطيق الملابس الجديدة كما لا أحبّذ التعرّف إلى وجوه جديدة إلا إن وضعتها تحت المجهر أولاً. بالطبع كان هناك ما يضايقني دوماً فأنا لم أكن أجيد نطق الحروف بشكل سليم. وكنت أضحوكة الكثيرين عندما أفتح فمي وأتحضر للتعبير عن رأيي بمسألة ما. في الواقع، كان يضحكني هذا الأمر كثيراً في طفولتي وكان يسعدني الإنصات إلى قهقهات الناس كلّما هَمَت من فمي حروف مكسّرة. وتراني أكرّر الكلمة ليزيد ضحكهم.  “شراوب”.. وهم يكرّرون الكلمة بعدي: “شاورب. شراوب”. كنت أفرح عندما أرى أسنانهم واضحة من كثرة الضحك. أعتقد أنني كنت أحبّهم. لكنني عندما كبرت فضّلت الصمت تماماً. بدأت أشعر بالاختلاف عن الآخرين وكنت مهجوساً باكتشاف أسرار الاختلاف وأشكاله. لم يكن نقصاً بثقتي بنفسي بقدر ما كان سؤالاً جوهرياً يدور حول سبب اختلافنا بعضنا عن بعض. أمي كانت تدعم سؤالي دوماً بحديثها عن اليقين، تقول “إن الناس صوت. كل واحد منّا عندو صوت وما بيشبه حدن، أنت صوتك في جواتو كل هاي الأصوات وعلشان هيك بتخاف تحكي”. قرّرت أن أعرّف بالأخرس. كنت أخرس المخيّم والناطق الرسمي بأحوال الطقس وحكايات السكّان وطيور الحمام. أعرف صوتي وأدرك احتجابه عن الآخرين كي لا يظهر بحروف مبتورة. لم أعد أريد إضحاك الناس حولي، بقدر رغبتي بأن أضحك أنا.

مع كل هذه الاكتشافات المبهرة في شخصيتي، لم أجد عملاً يليق بي واقتصرت معيشتي بعد وفاة أمي على رواتب أخوتي الشهداء ومجموعها لا يتعدّى الأربعمائة ألف ليرة لبنانية. ذلك المبلغ كان كافياً لشراء علب السجائر والقهوة وبعض الأطعمة اللذيذة. الطعام في المخيّم لا ينقطع. الكلّ يطبخ للكلّ، يرسلون لي صحوناً مليئة بالطبيخ. العمل الوحيد الذي بتّ أتقنه فعلاً هو الحديث مع الله أو الدعاء له. فأنا مبروك المخيم وبالنسبة لهم أنا الوحيد الذي يعرف لغة الله! قليل من الدعوات والابتهال مقابل الكثير من الأطعمة اللذيذة والفواكه المجفّفة أيضاً. أسترسل في الدّعاء بينما يحلّق الحمام عالياً. لا أنكر أنني كنت مؤمناً بأن الحمام يحمل الدّعاء إلى الله ويخبره برغبة أبي وليد بناء طابق جديد وحاجة أم حسين إلى فرصة عمل لابنها الذي تخرّج حديثاً. كنت أدعو الله يومياً أن يطير المخيّم مع الحمام. هكذا يحلّق عالياً حيث الغمام ولا حواجز تحدّه ولا زواريب معتمة تجزّئه أو أسلاك كهربائية تنتشر في حناياه.

وكأن للمخيم أمعاء وأوردة لفظها جسمه. ترى فيه شرايين شرائط الكهرباء التي مات بسببها ثلاثة أولاد اندفعوا تحت العامود غير خائفين. يومها كان المطر يغمر الزواريب. تأبّطوا حقائبهم المدرسية بينما غرقت أقدامهم في برك الوحل. لم أرهم.. لم أرَ الحادثة لكنني سمعت أمّي وهي تحكي عنها بينما تُغرق دموع عينيها حنايا البيت. شردت طويلاً وهي تخبرني كيف لاحق الموت الثلاثة واختطفهم سوية. لا رادع للموت إن أتى.  قالت إن عليّ وضع يده من غير قصد على شريط كهربائي منحدر على جدار الزاروب، فصرخ ووقع ميتاً. أحمد حاول معرفة سبب وقوع أخيه فالتقط الشريط ليسقط أرضاً. أما حسن ففضّل أن يفعل ما فعله أخواه كي لا يبقى وحيداً فمات هو أيضاً. أمي لم تستطع النوم تلك الليلة، المخيّم كلّه أصيب بالأرق ربما. شعرت في تلك الليلة بضرورة صعودي إلى السطح لأحدّث الله قليلاً. انتظرت توقّف المطر وسارعت خفية إلى الوقوف على السطح. البرد اخترق حنجرتي وأنا أعوي نحو السماء. كنت غاضباً. لم أرد لكل هذا الموت أن يحدث. أخبرت الله أنه أخطأ في حساباته هذه المرة وأن من واجبه معاقبة الموت على فعلته. “على الموت أن يموت”، قلت له.. بقيت أعوي حتى صعدت أمي وغطّتني بلحافها وحملتني إلى الداخل. لم أستطع النوم تلك الليلة. نمت بعينين محدّقتين إلى الفراغ. قلت في سرّي إنني سأنام في الصحو هذه الليلة. أمي قرأت لي كل ما تعرفه من آيات قرآنية. وهمست في أذني أننا غداً سندفن الأولاد الثلاثة. علينا أن نصلّي لتصعد الشمس. لم أصلّ. فقدت كل الصلوات التي علّمتني إياها جدّتي ووالدتي. أردتُ الكثير من الغضب، أردتُ لو يتحول المخيّم إلى مارد يقطّع شرائط الكهرباء كلّها، يمزّقها، يلتهمها.. يفعل أي شيء.. ربما يعيدها إلى أحشاء المخيّم.  صور الأولاد الثلاثة لم تغب عن رأسي فأنا برج المراقبة الوحيد وكنت أصاب دائماً بالدّوار حين أراهم يقفزون عائدين من مدرسة الأونروا كالجنادب. فزعت تلك الليلة فالخيال الذي صنعته بينما كنت أتأمّلهم يبدو أنه مات معهم هو أيضاً.

نهض المخيّم في الصباح الباكر على صراخ الأمّ وسط الحارة. لم يكن بكاء بل أشبه ما يكون بعوائي. كانت تعوي هي أيضاً. الشمس لامست الأفق في صعودها البطيء فجراً. الموت في العاصفة أجبر الجميع على الصمت. صعدت الهتافات داخل الحارة وكأنّها في سباق مع الشمس المتمهّلة في صعودها وسط العاصفة. دخلت والدتي بين الجموع وصاحت: “اللي بيموت بيرجعش بس الحي ممنوع يموت هيك”. علت الأصوات فصار المخيّم صوتاً واحداً. لم تستطع الجموع أن تتمدّد في مظاهرة كبيرة لضيق الأزقّة فقرّروا جميعاً اعتلاء الأسطح. الكلّ وقف على أسطح المنازل صارخاً في وجه شرائط الكهرباء. بدى المشهد مخيفاً بالنسبة لي. رأيت المخيّم للمرة الأولى أقرب ما يكون إلى السماء. أياديهم كانت تدخل في الأزرق وهم يصرخون محتجّين على سوء أحوالنا. علت الأصوات عبر المآذن ومن مداخل المخيّم. والأسطح اشتدّ هتافها للحرية. الكلّ أراد الحرية، وكأنها الخلاص الحقيقي من الشرائط والحواري الضيّقة واللعنة التي تصيبك بالموت هنا. كل شيء بدى متناغماً. عويل الأم والنسوة، صراخ الرجال، صراخ الشيوخ في الجامع… هطلت حبّات مطر خفيفة. لم يعط الجموع للأمر أهمية. ثم بدأ المطر يشتدّ ويشتدّ حتى خاف الجميع من الموت على الأسطح بين شرائط الكهرباء. وما هي إلا دقائق حتى نزل الجميع. رمى الصمت بنفسه على المكان وبقيت وحدي أتخيّل بالوناً كبيراً يحملنا بعيداً من هنا.

ناحت أيوبة على أولادها كثيراً حتى لحقت بهم بعد فترة قصيرة. أما الوالد فقد ظلّ صامتاً يجلس على حافة مستشفى حيفا علّ أولاده يعودون من هناك أحياء مرة أخرى.

أمي تقول لا يعود الميت إلى الحياة إلا إذا شاء الله ذلك. والله يفضّل أن يبقى الميت في المخيم ميتاً على أن يعود إليه.

لطالما سألت الله أن يأتيني بإشارة. مجرّد إشارة تدلّني إليه إن كان موجوداً بيننا ولاجئاً مثلنا.

المرة الوحيدة التي شعرت بأن الله يزور المخيّم كانت عندما نطق ببغاء أبي عماد وكنت قد أتممت للتوّ صلاتي فوق السطح. ردّدت كل ما علّمتني أمي من آيات وأنا صغير، أقولها بصوت خافت، هامساً، منصتاً إلى حروفي المكسّرة، معتقداً أن ذلك سيضحك الله فيلبّي ما أتمناه. والدي كان يقول: “لا تتوقف عن محاولاتك في إضحاك الله يا أنيس”. هذا ما فعلته.

غفرتُ لله كل صمته عندما رأيت ببغاء أبي عماد. كان أبوعماد يعمل عند رجل ثري في الفيلا التي يمتلكها. قبل أن يهاجر ذلك الثري إلى كندا، قدّم لأبي عماد هدية من شدّة حبّه له وتقديراً منه لخدماته في زراعة الورود والأشجار. مرة، اصطحبني أبوعماد معه إلى فيلا الرجل في بيت الدين. كنت أرى الجنة للمرة الأولى. الأشجار تسوّر المكان والرائحة كانت اكتشافي الأغرب. الياسمين. ما أحلى رائحته. لا يوجد في المخيّم شجر ياسمين. الرائحة خافتة تشبه غياب الشمس الذي أغوص به في باحة ذلك المكان. لو أننا نزرع الياسمين في المخيّم! بل لو أننا ننقل المخيم كلّه إلى بيت الدين.

بدى أبوعماد فخوراً بنفسه. يضغظ على يدي بين الحين والآخر قائلاً: “بقتلك اذا بتقلش لأبوك أنا أديش مهم… أبوك بس حطو ديك بالسياسة بس بالزرع بيخرطش مخو مش فاهم انو احنا فلاحين، عمي تشيل فلاح بيحب الأرض وتحطو ببيوت سردين هاي هي النكبة”.

المهم، يومها أعطاه مالك الفيلا أجرته وببغاء صامتاً في قفص حديدي. حملت الببغاء وحاولت هزّ القفص حتى أنصت لصوته. إلا أن المالك باغتني بالقول: “الببغاء لا يتكلّم، أخرس، كان هدية من أحد الأصدقاء والآن صار لك يا أباعماد”.

شعر أبوعماد بالفخر مرة ثانية. وضع أجرته في جيبه، نظّف يده اليمنى من التراب وسلّم على المالك بحرارة. ثم عدنا إلى المخيّم. علّق أبوعماد قفص الببغاء على الشرفة المطلّة على وسط الحارة والمواجهة لبيتنا.

وقد أدهش وجود الببغاء جميع من في المخيم. كان أول ببغاء لاجئ، يسكن المخيّم وينضم الى فصيلة الحيوانات اللاجئة كالجرذان والقطط. وبدأ التحضير لزيارة دورية من سكان المخيّم ليتفحّصوا شكل الببغاء وينصتوا إلى تعليقاته. وامتلأ منزل أبي عماد بالزائرين وبدأت المبارزة تشتدّ بينهم. الكلّ حاول حثّ الببغاء على النطق بطريقته الخاصة. منهم من حمل البذور أمامه ورماها إلى داخل القفص لافظاً إسمه، آملاً في أن يردّد الببغاء الجميل الإسم وراءه. منهم من صرخ بالقرب من الببغاء ليدفعه إلى الصياح. إلا أن الببغاء ظلّ شارداً في مكان آخر، لم يحرّك جفناً ولم يهب الأصوات العالية ولم تعنه كل تلك التجمّعات حوله. قرّر ألا يتكلّم منذ زمن. فكّرت أنه ببغاء أخرس مثلي، أو ربما خرّس نفسه بنفسه. هناك من ألقى بعض النكات الجنسية أمامه، بينما شرع كيمو مهرّب الحشيش المعروف في المخيّم في أخذ مجّتين من سيجارة الحشيش نافثاً الدخان باتجاه الببغاء، مؤكداً أن الرائحة وحدها كفيلة بفك عقدة لسانه. للمرة الأولى دخّن كيمو أمام الجميع كبطل لا كحشّاش مطلوب للعدالة، في أمل منهم أن ينطق الببغاء. إلا أنه ظلّ ساكتاً. حالة يأس خيّمت في بيت أبي عماد وسط نظرات الإحباط والتململ.

أبوعماد لم يصبه الإحباط بالإهمال. ظلّ يهتمّ ببغائه الأخرس ويطعمه ويدير مسجّلته على أغاني عبد الوهاب ويجلس صباحاً على شرفته المطلّة على الحارة. يشرب قهوته ويدخّن متأملاً صديقه اللاجئ الأول من صنف الببغاوات.

ذلك اليوم، لجأت إلى أحدث الطرق في الدعاء. وقفت على كرسي فوق سطح بيتنا وتمتمت بكلمات ثلاث لا أعرف معناها حتى الآن. ثم بدأت أعوي منادياً كل ما في السماء من قوة لتجيبني. وددت لو تحدث معجزة، وينطق الببغاء. كأنني كنت أدعو لنفسي. أنا الأخرس الذي يدعو لأخرس آخر كي ينطق. أحسست لوهلة بأنني أرتفع عن الأرض، وشعرت بمارد أبيض يلفّني بين ذراعيه. كنت متأكداً أنني أدخل في دهاليز عوالم أجهلها لكنني لم أخف. شعرت بجسدي خفيفاً وانتابني اهتزاز في قدمي حتى انزلقت قدماي عن الكرسي لأعوي حنقاً من وقوعي، كافراً بكل هذه الخرافات التي تسكنني منذ كنت صغيراً. صوت ما انتشلني من كم الغضب الذي تمكّن مني في تلك اللحظة، كان أبوعماد يصرخ ويغنّي من شدة فرحه. “لقد نطق الببغاء”. لم أصدق أن الله فعلها هذه المرة. رفعت يدي إلى الأعلى وقبضت على بعض الهواء ووضعته في جيبي. سأترك بعضاً من الله في جيبي.

كان أبوعماد يتحرّك مسرعاً على الشرفة، مؤكداً لي أن الببغاء نطق أول كلمة له وكانت: “بونجور”. ردّد الببغاء الكلمة مراراً في ذلك اليوم وكان الجميع يقف تحت شرفة أبي عماد بعدما لفتهم صراخ الرجل. وكان كلما أعاد الببغاء كلمته همّ الجميع بتصفيق حارّ له. جنّ المخيّم بالطّبل والرّقص. احتار الجميع في اللقب الذي سيعطى للببغاء فلا بدّ أنه ببغاء فرنسي على حدّ قول أبي عماد. ودارت نقاشات حامية تُجمع على ضرورة منحه إسماً عربياً أو إيجاد إسم فرنسي له يلائم هويته. وبعد بحث معمّق في مسائل الهوية والانتماء وفرض الثقافة أو تحريرها، وقف والدي غاضباً، حاملاً مسدّسه الذي لا يفارق خصره وصرخ بالجميع: “اإذا ما بتسمّوا نصر قاضي عليكم كلكم، كس أمكم على أم الامبريالية تبعكم، هادا ببغاء وأجا لعنا وصار منا واسمو نصر”. ومن دون تردّد هزّ الجميع رؤوسهم موافقين على اللقب. “نصر”… فرح الجميع وبدأت تتسرّب الأقاويل عن أن الببغاء هذا خير أنزلته لنا السماء.

بدى الببغاء مثل قائد يخطب بجمهوره، هو يكرّر كلمة “بونجور” وهم يصفقّون له. وعندما حمل أبوعماد الببغاء عالياً فرحاً به، استرسل الببغاء بكلماته. وصاح قائلاً: “فتح خروات..”، فارتبك أبو عماد وضحك من باب المزاح. انفكّت عقدة لسان الببغاء ليسترسل في سبّ كل الفصائل الفلسطينية. “الفلسطينية كلاب للموت للموت”.

كانت الجموع تتهامس في ما بينها غاضبة .حاول أبو عماد تخفيف حدّة الاحتقان إلاّ أنه لم يفلح. ولم يسعفه إدخال القفص إلى البيت، فصوت اللبغاء كان قوياً ومزعجاً وغير عابئ بتوجيه الشتائم لكل الفصائل دون أي تمييز. تصاعد صياح الجموع وشكّلوا تحرّكات شعبية داخل زواريب المخيّم مطلقين صراخهم: “الببغاء عميل، يريد إشعال فتنة”. وقد ظهرت في الشارع المقابل أصوات أخرى تطالب بالحفاظ على حياة الببغاء القائد، الحرّ، الذي لا يهاب شيئاً.. والدي رفض الانضمام إلى أي من المجموعتين لكنه أخبرني هامساً: “هادا ببغاء أسد ولا أبو جهاد بزمانتو، فشلي خلقي”.

وكان أن اجتمعت لجنة فتح ولجنة حماس وأمن الصاعقة والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي للبحث في مصير الببغاء. جميع القيادات بدأت تشتم رائحة ثورة متوقعة من بعض الشبان الذين وجدوا في مسبات الببغاء دافعاً للتعبير ومحفّزاً به. وقد قامت القيادات بتسمية أولئك الشبّان بالشبيحة. زجّوا بعدد لا بأس به في سجن اللجنة الشعبية، إلا أن الأمهات حرصن على ضرب الأمن وتحرير أولادهنّ: “أنا بعرف امك انت وهوي يا أبو أمن، يلعنك شو عاطل، هسى ببغا بيخليك تحبس اخواتك؟!”. تسارعت التحركات المواجهة لقرار الفصائل بالقضاء على الببغاء نهائياً، وللمرة الأولى منذ زمن طويل، لم ينم المخيّم. بات أبو عماد يسهر من شرفته على نوم الشبّان قرب باب بيته بهدف حماية نصر، القائد الببغاء. وأصبح نصر متألقاً في بوسترات كبيرة ملونة منتشرة في المخيّم وعليها جمل وطنية من قبيل: “أنا بحكي ما بتفرقش معي.. اللي عندو بيضات بيخفش.. الحرية الحمراء باب افتحه وفووت”. تحول المخيّم كلّه إلى تحرّكات ناشطة بين من هم مع  إبقاء الببغاء وبين من مع القضاء عليه. وصارت تتفاعل حالات التأييد أو الاستنكار. حتى قام البعض بزيارة أبي عماد طالبين منه التخلّص من الببغاء نهائياً مؤكّدين عمالته لإحدى الأطراف التي حاربناها. وقد تخلّل تلك الزيارة مسبّات جديدة أتقن لفظها الببغاء مما أثار حنق الزائرين الذين هدّدوا بقتله متّهمين مجموعات شبيحة بتعليمه تلك الشتائم سرّاً. للمرة الأولى رأى المخيّم الفصائل كلّها مجتمعة على قرار القضاء على نصر. وللمرة الأولى أيضاً رأيت الناس تهتف لزعيم تحبّه بصدق، وكأنه قريب لله الذي أصلّي له وأخبئ القليل منه في جيبي. كان الببغاء عالم جديد فرض قواعده على المخيم. واستفاق الناس على وجعهم كلّه في لحظة واحدة. باتوا يمشون سوية يتحدّثون عن كل تلك النقمة في داخلهم. نقمة أكثر ما تشبه الغصّة والتعب من التربّص والانتظار. أمّي تقول: “هادا الببغاء قال للناس انشروا غسيلكم وبلشوا احكو… فش حدا في خير. ولك كل واحد عندو سلطة إخروا عليه. الناس هني السلطة”.

وقف أبو عماد مراراً أمام قفص ببغائه صارخاً في وجه التنظيمات كلّها: “على جثتي بتخلصو منو، اخلصو مني قبل”. حاول والدي تهدئة الفوضى التي سبّبتها شتائم الببغاء السياسية ولم يفلح. كان المخيّم كلّه على حدّ قول أمي يعيد اكتشاف معنى الديمقراطية الحقيقي. فمنذ قيامه لم تعرف الناس صوتاً مختلفاً. وكان لقرار القضاء عليه تطاول مباشر على حق الآخر في التعبير. عبّرت لي يومها أمي أنها تفهم في السياسة مثل فهم ليلى خالد بالطيارات. “شو يعني الطبخ وشغل البيت فكرك فيهوش سياسة.. ولك أني أخلي أبوك يحبلني هاديك الليلة كانت قمة السياسة”.

تشاور أبو عماد معي أنا ووالدي في قضية الببغاء وحاولنا البحث عن طريقة لإسكاته كتغطية قفصه بشرشف أبيض. لكن كل المحاولات باءت بالفشل واستسلم أبو عماد لوقاحة صديقه وحريته في تناول الفصائل الفلسطينية كما يريد. لكنه كان قلقاً على ببغائه. مما دفعه إلى محاولة تعليمه قصيدة “موطني”. لم يتغير شيء. الببغاء كان عنيداً. فبقي يتطاول كعادته على الكثير من القياديين الذين اعتبروا رموزاً في المخيم، وهو لم يستثن الأنظمة العربية أيضاً. فلقد كان سعيداً بسبّ النظام السوري والسعودي والقطري وأميركا وإسرائيل ولم يوفّر أحداً. يومها كنت أشاهد ارتباك أبي عماد وفرحه بصديقه المناضل البطل الذي قال ما توقفنا عن قوله في المخيّم بعد انتهاء الحرب الأهلية ورحيل الفلسطينين. أي منذ أصبح المخيّم مخيماً حقيقياً متروكاً لوحده على طرف المدينة.

“وفي ليلة..”، تحكي أمي: “شفت حالي ماشية ببستان ليمون الو أول ما الو آخر والشجر حامل مليان، بس حبّات الليمون ناشفة قمت حاسي نار بقلبي…عرفت انو الليلة راح يخلصو منو. لبست عبايتي ونزلت ويا دوبني عم ادعس ع اول الدرج الا سمعت صوت الرصاصة… عرفت انهم قتلوه… بكيت يمّا.. بعرفش ليش بعدلك هاي الحكاية كل مرة، يمكن لأنو حسيتهم قتلوك يمّا بس قتلو الببغا… اوعا تحكي يا أنيس… الله يرضا عليك يمّا خليك اخرس وساكت”.

سقط الببغاء في قفصه غارقاً بالدماء. هرع أبو عماد ليتأمل من شرفته الفاعل لم يجد أحداً. احتضن ببغاءه وصرخ بحرقة. رأيت كل فلسطين تحضر مرة أخرى في رأسه. رأيته يحتضن زوجته التي قتلت على يد الإسرائيليين في الإجتياح. رأيت الببغاء كلّه يتحوّل إلى جثة أولاده الذين نُحروا في مجزرة صبرا وشاتيلا. كان يعاود تلفظ كل ما مرّ في ذهنه ويصرخ دونما توقف. أصبح الببغاء بين يديه كل أولئك الذين قتلوا ظلماً أمامه.

لم يترك أبي أبا عماد وبكى معه. وقام بالتحضير لعزاء يليق بالقائد على حدّ تعبيره. اجتمعت الجموع وبكت النسوة طويلاً، وقد أبدت الفصائل رغبتها في حضور العزاء لكن والدي وقف في وجههم قائلاً: “تقتلوا القتيل وتمشوا بجنازتو، صار خرا هادا السيناريو اعملوا غيرو”. تولّى الشيخ أبو فارس مهمّة تلاوة القرأن وحملت صور الشهيد على الأكتف. وقد دارت أمي مع النسوة حول جثته التي اعتلت خشبة صغيرة ورشّت الأرز والورد المجفّف فوقها. غنّت أمي للشهيد كما لم تغنّ يوماً. وشمّته طويلاً قائلة: “هادا طير من طيور الجنة تباركوا يا ولاد مخيم البرج”.

مشت الجموع نحو المقبرة، وسط بكاء متواصل. ظهروا أمامي يودّعون أنفسهم لا الببغاء. حفروا قبراً له بعد أن كفّنوه بقماشة بيضاء.. قرأت الفاتحة عليه. ووضعت يافطة  كبيرة فوق القبر كُتب عليها: “بسم الله الرحمن الرحيم.. ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يرزقون.. صدق الله العظيم.. هنا يرقد الشهيد نصر، ببغاء مخيم البرج”.

تحوّل قتل الببغاء إلى صفعة في وجه الفصائل كلها. وبدأت تشتدّ حالات الإضراب عن الطعام والشغب في المخيّم، وقد أكّدت الفصائل على أن الحفاظ بحقّ الرد هو أسلم ما يمكن فعله. وتمّ حصار المخيّم من قبل الجيش اللبناني الذي تحفّظ على التدخّل في حادثة قتل الببغاء وسجّلت ضد مجهول طبعاً. بدأت الفصائل تعي أهمية تعاون الناس معها، وعند شعورها بالخطر عزمت على وضع براميل زبالة جديدة وقامت أيضاً بطلاء الجدران في الزواريب وقد جرى العمل على مشروع تكرير المياه المالحة في المخيّم.

ظلّ أبو عماد يرافق تخيلاتي كل ليلة. وكنت لا أتوقف عن الإنصات لأنينه. كان شديد الحزن حينما حدّق بأبي وقال: “هالعرصات”. لم تعد لشرفته أي معنى من دون الببغاء، ولم يعد يصدح صوت عبد الوهاب كل ليلة. احتفظ بالقفص بعدما نظّفه من الدماء ووضع في داخله الكثير من الورد الأبيض المجفّف، مقتنعاً أن هذه الورود ترطّب روحه فهو طير من طيور الجنة.

كثيراً ما زارني نصر في المنام بعدها وكنت دوماً أستيقظ مرعوباً. الطائر يتحوّل في مناماتي إلى دبّابات لونها أحمر وأحياناً يتغيّر شكله ليغدو رملاً بني اللون. رمل يتجمّع وتخرج منه هياكل بشرية ذات رؤوس ببغائية الشكل. رأيت نفسي جسداً برأس ببغاء، أسبح قليلاً داخل محيط وتلفّني أياد تصنعها المياه. يد من تحت المياه، يد من فوقها، ونصر يجلس على تلة عالية يسبّ ويلعن التنظيمات كلّها وتهتزّ تحته الأرض وكأن أديم الأرض يتحرّك والأموات تستيقظ. كنت أحكي لأمي مناماتي فتجلب منديلاً أبيض وتضعه على رأسي وتوشوش في أذني الفاتحة وتصلّي لله كثيراً، ثم تهمس لي: “أهل الحب يمّا بس هن العايشين… انت عايش هسى بمنامات نصر… الحب كلو منام. والهوا يما بالمنام مزاج الحب. والمي، أخ يمّا على المي، هاي كل الحب…”.

 

الحارة في المخيم مكان ضيّق لا يكفّ عن الصراخ. مرّة حلمت أن المخيم ابتلعه جرذ كبير. أمي قالت يومها: “إن الجرذ ابتلعنا منذ زمن، ونحن الآن نحاول الخروج من أعماقه.. لكننا لا نستطيع”.

أمي بخيالاتها البيضاء عن الهواء في المخيّم وعن الروائح والنمل الغريب، تقول إن للمخيم رمل خاص. رمل مجبول بكل من ماتوا في داخله. تعرّف أمي الموت على أنه جوع التراب. يتضوّر جوعاً فنسقط في أحشائه جثثنا ونغطّيها بالرمل فيأكلها ويعاود النوم. أمي ترى أن كل ما هو موجود في المخيّم يضعنا أمام إجابة واحدة: “لقد كنّا على حق”… وأنا أنساءل ما إذا كنّا بالفعل على حق؟ لا أعرف ما الحقّ أصلاً.

أنت عندما تخرج من بيتك هل تقفل الباب وراءك؟

نعم أقفله… أمي تقفل الباب أكثر مني..

الحق هو أنك تفعل ما تفعله في الباب باعتباره باباً. هكذا قال الله عندما صعدت مسرعاً لأسأل عن الحق. بالطبع لم أفهم إلى الآن علاقة الحق بالباب. لكن بدى لي أن الموضوع معقّد بعض الشيء.

كلّ ما أراه بعيداً عن مسميّات الحقّ هو أننا نسكن المخيّم في نهاية الأمر. هذا وبالرغم من كل تحليلات أمي حول الماورائيات، يبقى أن المخيّم لا يصل إليه البريد. ولا أرى فيه ساعي البريد. وهذه مشكلة لا علاقة لها بأي من الجدالات المتعلٌّقة في كوننا على حق أو لم نكن.

الجنود الإسرائليون في حلم أمي عمالقة، لا وجوه لهم، مصنوعون من خيوط صوف سوداء اللون. والأولاد  في فلسطين حمام أبيض، تحمل أعينهم خيوطاً ملوّنة تسكن الموج. أشبّهها بطيور الحمام التي تسكن السطح والتي تشبه أولئك الأطفال. إلاّ أن تلك الطيور لم تكن تموت بسبب رصاص طائش أو حرق أو اعتداء، كانت تموت  بهدوء أحسدها عليه.

حين تردّد أمي مناماتها على مسامعي أمشي  في الحارة معتقداً أنني أمشي في حلمها. كان المخيّم جزءا من مناماتها التي تصفها لي بالضباب عندما يحمل رذاذ برد السماء. لماذا لا أشعر بالرذاذ؟ أسألها. “لأنك مازلت صغيراً”.

“وكيف أكبر؟”.

“تكبر عندما تعرف.”

ولا أعلم إن كنت قد فهمت جيداً ما أرادتني يوماً قراءته في مناماتها. كل ما أذكره أنني وبقصر قامتي، فكّرت كثيراً في صنع دمية كبيرة تحوي الكثير من الرسائل وتستطيع أن تمشي نحو العدوّ وتقذفه بالكثير من الأوراق حتى يقرأ. الجنود الاسرائيليون كتلة بشرية واحدة لا تريد قراءتنا. أبي يقول دوماً إنهم أغلقوا الموضوع وانتهوا وقالوا لا نريد أن نقرأ. كنت أخافهم أحياناً فـ”كيمو” مهرّب الحشيش أكّد لي دائماً أنهم قادرين على قراءة أفكار الثائرين. وهم أيضاً يعلمون بوجودنا هنا ويراقبون تحرّكاتنا. وهو يؤكد أن المؤدلجين جميعهم ممن فقدوا نعمة السؤال يعملون مع الجنود  في السرّـ يمتلكون القدرة على القتل والقضاء على كل من يفكّر بفتح فمه. كنت بشكل جدي في البحث عن لغة جديدة يقرأها الجنود. لغة تصف ربما قواسمنا المشتركة وتظهر السخرية من حملهم السلاح والتجوّل حول القدس كل صباح لساعات.

أدرك، بل إنني أكاد أجزم، أن هذه اللغة قادرة على حفر نفق طويل يصلنا بـ”هناك”. بعدها  سننتظر المعجزة التي تحدّثني عنها جدتي. فهي تؤكد أن فلسطين لا يملكها الاّ الغيب البعيد وهي لا تعود إلا بعودة الغيب إلى دياره. لا أعلم أين يسكن الغيب. إلا أنني أصلّي له أيضاً. أصلّي لكل شيء. فهذا الألم الذي يأتيني عند كل غروب وأنا أتأمّل طيوري تسافر نحو البعيد يحمل إلى روحي رغبة عميقة في البكاء. لا أدري لماذا تصيبني هذه الحالة. أمي تقول إنني من المباركين وإنني أسكن مناماً أقفل عليه البحر ونام.. وإنني أشبه فلسطين تماماً مثل والدها المناضل الذي قُتل على حدود الجنوب بينما كان يصرخ في وجه العسكري الذي يحمي الأسلاك الشائكة. كان الرجل يصيح لفلسطين ومات لأجلها وحيداً وأمي تقول إن الطيور والنّمل تساعدنا في نهش جثّته قبل أن تذيبها الشمس. أنا مثل جدي، أملك شريان الثائر. أنا حقاً لا أعرف. لكنني أرانا وهذا يكفي. كنت أصرّ على رؤية المخيّم يومياً. ليست هذه المهمة عبثية. على أحدنا التقاط كل تفاصيله. لا يعقل لهذا المكان الغارق في النفايات والمياه والبوسترات التي تخصّ الشهداء والرموز والقادة أن يعبر مخيلتي هكذا ويموت معي بسهولة أيضاً.

حتى لو لم أكن بارعاً لا في التحليل السياسة ولا في السياسة، الاّ أن مراقبتي كل نهار جمعة للرجال في الحارة يتجمّعون ليؤدّوا الصلاة سوية، يفتح أمامي باباً من الخيالات. أروح أتخيل أمي تصلّي هناك مع النسوة، فيعبرن في الصلاة إلى سكون طويل. أمي تقول إن البيت سرّ في بطن المرأة ومفتاحه رحمها. لا أقصد شيئاً بهذا الكلام. كل ما أودّ قوله أن استماعي كل جمعة إلى خطبة الشيخ يكرّر الكلام نفسه، وإنصاتي إلى الأحاديث عندما ينتهون من الصلاة  تثير في نفسي الضجر. لا يجتمعون إلاّ للصلاة بينما أنا أجتمع مع نفسي لأصلّي، ومعهم جميعاً لأصنع ما أصنعه من خيالات. والله وحده وبحسب ما تقول جدّتي يأمرنا بالعقل. فهو لا يُعرف إلاّ بالعقل. تُرى أين عقلنا؟ أمي تقول إن العقل في المخيّم مات هو أيضاً وقد دُفن بعد حصار المخيم في المقبرة الشهيرة. وهو يسكن تحت الأموات، الناس باتوا بعد رحيله في غيبوبة، على هامش الحياة. يتحرّكون وينفعلون ويراكمون حكاياتهم وينامون باكراً أيضاً.

لا أذكر الحصار وكنت طفلاً رضيعاً. لكنني أعرف أنهم التهموا القطط من الجوع.

أقول لأمي أريد أن أعود…

لوين؟

إلى وجهي الأول. هناك تسكن فلسطين أيضاً. أعرفها، في عينيّ ما يشبهها، تبدو كثيفة حالمة تمشي أيضاً. لماذا لا يفارقني مشهد المشي كلّما أبصرت فلسطين؟ ربما لأنني لا أراها سوى متحركة، فأنا أمشي منها وإليها وأعود منها وإليها… حق العودة لا يتمثل الآن في مخيلتي إلا عبر العثور على وجهي الأول. أنا البلاد أتحرّك على قدمين واثقتين أحياناً. وأحياناً أتخبّط بين الخفة والثقل.

.من أنا لأحلّل العودة والبلاد والهوية؟ أنا لست ضليعاً في السياسة لكنني أعرف أن الحمام يطير بين السحاب، بلا هويات خضراء ووثائق وأنا كأحمق أظلّ أراقبها وأرى في عينيها انتصارها على كل السياسة… أمي تقول: “الحمام بيطير والإنسان بصير”.

ايش يعني بصير؟

بصير يعني ما بيتوقفش على حد… دايماً بدو، الحواس هاي بتخدع. والحمام بس بطير.

المهم، أرى أننا اجتمعنا في قطعة أرض صغيرة. حاولنا صنع فلسطين على قطعة أرض مغايرة.. سمّينا الحارات بأسماء المدن الفلسطنية وصنعنا من المخيّم فلسطين. وصارت فلسطين مخيّماً صغيراً. لا أحبّ كل هذه التعقيدات في الشرح. أعتقد أنني متعب وأريد الخروج من هذه الثلاّجة، لا تشبه شيئاً سوى المخيّم ولا شيء يتغيّر هنا. هذا هو الموت إذاً. الثلاجة ضيقة وشديدة الحرّ. لا يوجد جرذان ولا نمل ولا القليل من المطر. لا أنصت هنا إلى صوت الأذان كما كنت أنصت إليه من على سطح المخيّم. كنت أراقب صوت الشيخ فارس يتلعثم قبل بدء الأذان يسعل قليلاً، يرتّب هندامه ويضع يده اليمنى فوق أذنه ويؤذّن.. كنت أراه من على سطح مخيّمنا المطلّ على الجامع في الحارة. يؤذّن ويحدّق تارة في السقف. يحرك عمامته ويعاود الأذان. كان صوته مخملياً تطرب له الآذان. تقول لي أمي إنه كان يغني مع المقاومة الفلسطينية. كان مغنّياً لا يحارب ولا يقاوم، فقط يغني. يغنّي قبل بدء المعركة وبعد انتهائها. تقول إن صوته كان يعلو فوق الرصاص أحياناً. لقد غنّى في الحصار (حصار المخيمات) كنا نشبع من صوته ونتخيّل أننا التهمنا مأدبة.

لم يستطع أحد الحديث عن سبب وفاة الحج فارس. لربما أخذ حكايته معه.هذا ما فهمته.. كنت أحاول دوماً إيجاد بعض الأجوبة عن كيفية اختفاء الشيخ فجأة. أمي الوحيدة التي كانت تنطق بالحكاية لي كلما جلسنا على سطح بيتنا في الحارة. كانت تعدّ لي أصابعها العشرة وتعيد صوت الرقم في أذني. تقول لي إحفظ يا محمد إحفظ.. وأنا أحاول تمتمة الصوت خائفاً من الخطأ. وهناك كنت أتربّع لدقائق في حضنها بينما تغرز أناملها في رأسي بحثاً عن قمل مختبئ في فروة رأسي وتقول الحكاية وتراني أحدّق نحو البعيد حيث السماء تعيد تشكيل الضوء علينا. “الشيخ فارس كان يأذن من هون. كنّا نسمعو وكان يغني بالحرب وصوتو يعلى على الرصاص. الشيخ فارس بيقولو عنو انو بطّل يحكي متلك فجأة. وبيقولو انو اكتفى بالغنى. يغني وقت يحس، ووقت بدو كان يسكت كان يعرف أنو صوتو بس يمكن يوصل لهناك.. للبلاد البعيدة. ولما مات في ناس قالت انو فات على المقبرة بالليل وصار يغني وهناك تبخّر الشيخ فارس. بعرفش أنا بحس أنو صار هوي الصوت. هادا الصوت اللي بيطلع كل ما عتمت الدنيا بالمخيم، الناس قالوا انو الصوت صوتو.. وإنو اشي متل الأنين بيطلع بيدندن لحن غريب لشوية ثواني وبيفل. طبعاً الكل بيقول انو هادا جنون وانو احنا خشخشنا بس يعني هادا اللي بيصير. السّحر أحلى من الحكاية”.

لو أعلم ما السّحر؟… عندما شربت مع كيمو الخمرة للمرة الأولى وسكرت، قال لي: “هذا هو السّحر”. لا أعلم، لكنني لم أصدّقه. كنت أرغب في تمضية الوقت بعيداً عن خيالاتي. وكانت تجربة الخمرة مغرية. إلاّ أنني لم أكتشف السّحر بقدر اكتشافي لرغبتي فعلاً في دفع الوقت ليمرّ مسرعاً. أي سحر هذا الذي يصيبني بالدوار ويسبّب لي صداعاً ويجعلني أتقيّأ كل ما بداخلي من نمل. كيمو برّر مفعول الخمرة بأنها نوع من السّحر وليست السّحر كله. لا أدري! ربما يكون السّحر هو أقرب ما يكون إلى النعاس.

أو ربما صوت الشيخ فارس أيضاً الذي يدخل أذني فأغلق عينيّ وأتذكر كلمات أمي. أمزج الحنين إلى حكاياتها بصوت الشيخ الذي يصعد وينتشر في أرجاء المخيّم.

أحياناً تراني فقدت المعنى الحقيقي لضرورة وجودنا ككائنات بشرية قذرة تتحرّك وتتسامر وتهتف وتفعل كل ما تفعله كي تنسى الموت. وأنا حين كنت حيّاً، رحت أذكر الموت مثلما أذكر أعداد النمل التي دهستها أقدام المارّة.

لم أكن ضليعاً في حساب كل شيء طبعاً. فأنا لم أقو يوماً على إحصاء عدد الحكايات التي كدّستها أمي في رأسي. لكنها كانت كثيرة بما يكفي لصناعة شخص مثلي. الواضح أنني أتفق مع فكرة الموت المحتّم هذا. ذلك الموت الذي يضعني في ثلاّجة تتّسع لجسدي كلّه وتعرّيني من كل ثيابي، حتى من حذائي. الحذاء هو أكثر ما يزعجني فقدانه. أصابعي السمينة بشعة وقصيرة، تفوح منها رائحة كريهة. لطالما كرهت أصابع رجلي وكنت دوماً أتمنى لو أنطق مرة أخرى لأصرخ بكل الذين يحيطون بي أنني أحب تغطية تلك الأصابع البشعة بحذاء جيد. ليس لأهمية الحذاء بل لكي أخفي تلك الأصابع غير المتناسقة. وكانت تغضبني أسئلتهم اللجوجة عن سبب انتعالي للحذاء وأنا أتمختر في الحارة. الحارة بأزقتها الضيقة لا تحتاج إلى حذاء بل إلى حفاية خفيفة تساعدك على التنقّل بخفّة من مكان إلى آخر داخل المخيّم. وهذا ما يميز المخيّم برأيهم، فهو مكان غير متكلّف ولا يتطلّب منك بذخاً كي تتنقّل من سوق الخضار إلى محل التلفونات وصولاً إلى اللحام أبي يوسف. إلاّ أذا كانت هناك زيارة رسمية تتعلّق بخطبة أو عشاء. الحقيقة كنت متمسّكاً بأحذيتي وكنت أسعى دوماً إلى تلميعها والاعتناء بها. ولم يكن يهمّني وصفهم لي بالسيد البيك. لا أحبّ أن أكون سيّداً. لذلك أنا أخرس.

لكنني مع الوقت وبعد وفاة أمي شعرت برغبة بخلع الحذاء والمشي حافياً. فعلتها. لم أكن على دراية بالسبب المباشر وراء خلعي الحذاء. ربما تكون ردّة الفعل الأولى على خبر وفاة أمي في المستشفى. عدت إلى المنزل حافياً، حاملاً حذائي العتيق. وضعته على مائدة الطعام فوق شراشفها المطرّزة وقرّرت البكاء.

لا أذكر هل كنت أبكي الأيام التي مضت وأنا مؤمن بأهمية الحذاء. لا أعرف حقاً الاّ أنني فقدت بموتها كل ضرورة للتكلّف كما يقول أهل الحارة. وعلى حدّ وصفهم، “الأخرس طار عقلو”. أنا لم يطر عقلي، أمي هي التي طارت! لقد ماتت وكثرت حكاياتها في رأسي ولم أكن أعرف سبيلاً للتخلص من كل تلك الحكايات حول أشخاص ووجوه في المخيّم اختفت ولم تعد موجودة. كنت أعلم أنني لم أصدّق الكثير من حكاياتها التي تحيك في نهاياتها الكثير من الخيالات. إلا أنني كنت أنصت إليها، تشبع فضولي للسحر. بعد موتها صرت أرى الأشياء على حقيقتها. الحكايات كلّها علقت في فمها حينما سقطت أرضاً على عتبة المستشفى وماتت.

منذ وفاتها فقدتُ أي رغبة بتقليم أظافري. شعرت أنني أقرب إلى قطّ بريّ. بموت أمي عزمت على قول الحكاية كما أريد.

الوجود في هذه الثلاّجة مربك. هنا نحتاج إلى أحذيتنا أحياناً لنضع أقدامنا في مكان واحد يتّسع لنا ونحرّكه كما نريد وأينما نريد. الحذاء هو أول ما نسكن. كان أبو توفيق اسكافي الحارة يقدّم الأحذية بعد إصلاحها على وسادة ذهبية وكنّا نشعر وهو يحضر لنا أحذيتنا فوق وسادة أنه يقدم لنا العالم كلّه. كنّا كالملوك نأخذ الحذاء منه ونضحك. في بعض الأحيان كنّا بالخفية عن أهلنا، نمزّق أحذيتنا لحملها مسرعين إلى أبي توفيق وهناك نقف منتظرين انتهاءه ليجلب الوسادة ذات الغطاء الذهبي اللماع ويضع الحذاء عليها بروية ثم يقدمه لنا معلناً عودته جديداً. لقد تعلّمت منه كيف أحبّ حذائي وكثيراً ما كانت تأتيني رغبة بخلعه وحمله على كتفي وأنا أمرّ في الحارة. كنت دوماً أرى في قدرة أبي توفيق على إصلاح الأحذية قوة خاصة. فهو وما يخبره أهل المخيّم عنه: “بيخليش صبّاط يموت كلو بيرجع جديد”. إلا أنني بعدما كبرت أحسست أنه كلما كنت أشعر بثقل العالم كان يتّسع ثقب حذائي. لم أعد أحتاج إلى أبي توفيق. أنا اخترت إبقاء حذائي بالياً بينما فضّل باقي سكان المخيّم اقتناء أحذية جديدة عوضاً عن تلك البالية.

تغيّر كل شيء منذ كبرت. بات المخيّم يتحرك بإيقاع سريع يعيد ذاته بذاته. بدونا عالقين جميعاً بعد انتهاء الحرب بدائرة متكررة. الصباح في مخيّمنا كان طقساً اعتيادياً لا أكثر. طقس نمارسه محدّقين بالبوسترات المعلّقة على الجدران ونقاط المياه المتدحرجة من حيطان الزواريب في المخيم. الصباح في المخيّم لا يزور تلك الزواريب، مما جعله عادة لا أكثر والليل عادة كذلك والوقت عادة. كنّا نعيد تركيب الحكايات في دائرة مقفلة تحمل في  داخلها حيوات لا زالت على قيد الحياة. كنا نعلم أننا ننتظر شيئاً ما، حلّ ما، ولم أكن أرغب في الانتظار مثل البقية الاّ أنني لم أكن أملك الكثير من الحلول.

أمي وحدها كانت قادرة على اختلاق القصص الغريبة. ولكلّ شخصية، سيطها في المخيّم وحكايتها الخاصة عند أمي. أبو توفيق السكافي مثلاً، لم يكن بنظرها إسكافياً عادياً. لقد كان إسكافياً في فلسطين، نزح إلى لبنان خلال النكبة مع الذين نزحوا. ويقولون إنه كان من أشهر الإسكافيين في قرية الشيخ دنون في عكا واعتبر الأكثرة شهرة بسبب إتقانه ألعاب الخفّة. كان يمارس ألعاب الخفّة في الليل وحيداً بعد إقفال محلّه. يضع المسحوق الأبيض على وجهه و يرتدي بدلة سوداء ويقف في الشارع الرئيسي لضيعته الشيخ دنون تحت عامود الإنارة الوحيد في الشارع. يروح يحرّك أصابعه للعابرين ليلاً، تراه يخبّئ أغراضه في جيبيه وفمه ويستخدم شتى الوسائل ليحرّك الأشياء بدهاء.

أمي تعرف حكاياتها وتطبخها مثلما تطبخ طعامنا. وكنت أشعر وأنا أجالسها أنني أدخل أحلامها دوماً لا أحلامي. لكنني لم أكن أمانع رغم ثقلها أحياناً. ربما لأنني أحببتها وربما لأنني أعرف أنّنا حين نحكي الحكاية نغدو أقوياء.

“أبو توفيق الاسكافي”، تقول أمي متململة وقد دبّ فيها النعاس، “الاسكافي يا بني اكتفى بتصليح الأحذية بعد النكبة والتهجير. أصبح للاعب الخفّة دوراً غير فعّال أمام النزوح إلى المخيّمات والاقتلاع. لقد بتر الخفّة من أطرافه. تخلّص منها وأصبح ثقيلاً في انتظار الخروج من الدائرة التي تعيد نفسها. وفي جلوسه داخل محلّه الصغير في المخيّم استعاد اكتشافه للحذاء. وجد شغفاً في تحويل الحذاء من هيئته البالية إلى شكله الجديد. يعيد تشكيله ويستعيده أجمل مما كان. وكان يتفنّن في تقديمه بعد الانتهاء من تصليحه.

 

أبدو مثل جثة أبي. أتذكّرها.. كيف ارتمت أمامي بيضاء وضاحكة. أمي تقول إن الجثة الضاحكة تسكن اللون الأخضر، والأخضر يمثّل الجنة. لا أضحك.. أريد أن أرى أخضر أمي. أشدّ فمي إلى الوراء وأزمّ شفتيّ في محاولة للتبسّم. أريد لتلك الابتسامة أن تتمدّد علّني أضحك. لا أضحك. لا شيء يضحكني. ولكنني لست غاضباً ولا حزيناً؟ لماذا لا أشعر بشيء. يبدو أنني متّ حقاً. أنا لم أعاني أيّاً من هذه العوارض عندما كنت حيّاً. أتكون هذه عوارض الموت؟ يتسلّل البرد إلى قدميّ، لماذا انتزعوا مني حذائي؟

لما أخذوا ساعة أبي عماد من يدي؟ كان من المفروض أن تزنّر معصمي حتى الموت؟ لا بأس سأهدأ. لا بدّ أن يعودوا.

الموت يثير الدهشة في لحظاته الأولى. لا أصدّق أنني مندهش حقاً. في الحقيقة، لا مشكلة عندي مع الدهشة،  إلا أنني ببساطة لم أشعر بها. لم تصبني يوماً وكنت أغتاظ من ذلك الأمر. أستمتع بمراقبة وجوه أهالي المخيّم مندهشين من مطر مفاجئ أو صوت قنبلة ما. في الحرب لم تكن القنابل مثيرة للدهشة، ربما لأن الجميع اعتاد عليها. وأنا اعتدت على ألا تدهشني الإنفجارات وأصوات الرصاص والقنابل. كلّ ما تسمعه أذناي عادي جداً وما تراه عيناي عادي أيضاً. المهم، بعد الحرب أصبح صوت أية قنبلة أو انفجار قريب كفيل بإثارة الدهشة. وهذا أكثر ما يشعرني بالغباء، إذ أبدو غير قادر على تصنّع اللهاث. في الحقيقة أنا فرد غير مندهش.

والآن، المكان الوحيد الذي أدهشني هو الثلاجة. هنا أبتسم قليلاً وأتململ داخل مساحتي الضيقة. لا يشبهني شيء ولا أشبه أحد. فقط أنا وجثتي في الثلاجة. أفكّر بالغناء، ولا أغني.. لا أطيق سماع صوتي. ما أصدره ليس غناء بل يشبه العواء. كان أبي ينهرني وأنا صغير كلما فتحت فمي للغناء قائلاً: “بقاش تولول”. وأتوقف عن الغناء مبتلعاً اللحن. أعبّئ فمي بالهواء وأنصت للحن يخرج من فمي عبر النفس. كنت أغنّيه في رأسي وكنت بارعاً في ولولتي.. “هكذا يغني الأخرس”. يقلّدني الرفاق في المدرسة لأركض في أزقّة المخيم وحيداً أقف في عتمة الزاروب المؤدي إلى بيتنا، محدّقاً بالأرض علّني أجد بعض النمل لآكله. ألتهم النمل وأحبّ طعمه تماماً مثلما أحبّ طعم الملوخية.

 

تذّكر، يهمس لي الميت المجاور في الثلاّجة… أتذكّر..

“النظارات غالية الثمن لها وقع مميز فأنت تدرك دوماً أنك ترى العالم من نظارتيك الغاليتين”. هكذا قال لي خالي بعدما اشترى النظّارات من تونس. سافر للمشاركة في حفل تقدّمه فرقة العاشقين. وبما أنه المسؤول عن إدارة الحفل والحجوزات وترتيب الأوتيل ومركز التمارين للفرقة، قام خالي بزيارة السوق وهناك اشترى لي النظّارت، ويوم أهداني إياها قال: “لقد دفعت ثمنها ثروة”. النظارات كانت مريحة للنظر، لكنّها كانت ثقيلة على وجهي، أصبح حين أرتديها كسوبرمان المتخفّي. وأحياناً أمارس كلّ تحرّكاتي بجديّة تليق بالنظارات. أحدّث الناس بنظاراتي وغالباً ما كنت أعود راكضاً إلى البيت لتأمّل وجهي في المرآة. وجهي بالنظّارة الغالية يشعرني بالغثيان ووجهي بلا نظّارة يشعرني بالأمر ذاته.

قد تفيدني النظّارة الآن في هذه الثلاجة التي تضيق بي كلما تنفّست أكثر. لا بدّ أنه كابوس خسرت فيه ساعتي ونظاراتي غالية الثمن والحذاء. لا يعقل أن أتحمّل كل هذه الخسارات وحيداً في الثلاجة. لو كنت حرّاً لكنت عبّرت عن هذه الخسارات بالأنين طويلاً.. هنا في الموت لا تنوح ولا يصيبك الأنين. أنت في غنى عن كل هذه الأصوات البشرية المستهلكة. في الموت تسكن الثلاجة وتعتبرها غرفة في أوتيل رخيص، وتموت. تحملك الذاكرة إلى العيش مرة أخرى. هل أنا خائف؟

أحياناً يبدو لي أنني خفت سابقاً. خفت عندما ماتت أمي. شعرت بالحاجة إلى الرحيل عن المخيم. أنقل أمتعتي وأخرج وحيداً من كل هذه القواعد المفروضة علينا ككائنات. خفت ليلاً بعد دخولي غرفتها، بدت لي جثتها تتسع للأرض كلها. لا أعرف لما كبر حجم أمي بعد وفاتها. كبر وصارت قدماها في خيالي تغطيان السرير. كنت أتخيّلها تركض حولي. وأتساءل كيف أصبحت قادرة على الركض هذه العجوز؟ المرأة قصيرة القامة التي تحرّك قدميها بتأنّ. كانت تخاف الركض ولا تخاف أي شيء آخر. تخاف الركض ربما لأنه يذكّرها بالرصاص المتطاير فوق رأسها. لقد عرفت أذناها لحن الرصاص، إيقاعه وحدّته. وكان الركض رقصها الوحيد على ذلك اللحن. هي تركض لتعيش أكثر، تقول لي: “مع أنّني أعرف أن المكتوب من عند الله راح يصير.. بس منضل نركض”. لقد ماتت أمي. تركت لي كل حكاياتها واختفت. لم أكن قادراً على فهم الرائحة التي تركتها على سريرها. كنت أغسل شراشفها وأنشرهم وأعود لأشمّ الرائحة. اعتقدت أن أمي تسكن منشر الغسيل أو الغسالة أو ربما الهواء.

أتعبتني رائحتها وأنا حيّ بعدها.. لهذا يبدو الموت فراراً من روائح الآخرين عليك. أنت ورائحتك تبدوان وحيدين، ومع الوقت تصبح رائحتك هي رائحة الثلاجة نفسها.

لا أذكر من الذي مات قبل من. لقد كنت على احتكاك مباشر مع الموت وما عدت أذكر كمّ الأموات الذين مشيت في جنازاتهم دون معرفتي بهم حتى. لماذا عليّ تذكّر كل شيء الآن؟ أنا حقاً متعب. أريد أن تخرس ذاكرتي. أريد أن أموت في هذا الموت. لماذا لا يظهر الموت كما وصفته لنا أم توفيق حينما توفّي زوجها. قالت: “الموت زي انك تبطل تحس بأشي… أبوتوفيق مات لأنو حس، الموت رحمتو انك ما تعدش تحس”… لماذا تأتي الآن أم توفيق الى رأسي. كيف عاود الموت البحث في ذاكرتي. أريد أن أشرب الماء، الكثير من الماء. أودّ لو أغرق في بركة من الماء المالح. الملح له طعم الخلود في فمي. أودّ لو تخلّد لحظتي وأجمد. نعم، تتجمّد أطرافي وأحيا في داخل موت حقيقي. لو أنني أموت الآن وأتخلّص من كل هذا الهراء…

تذّكر..أتذّكر..

كنّا نجهّز مستلزمات الموت. نستعد له  وننتظر قدومه ونهلّل بحزن لمن مات. أمي تقول إننا اكتشفنا بعد أعداد كثيرة ممن سقطوا في الحرب، معنى الغيب. ربما كانت على حق! فالغيب سكن كل هذا العدم الذي أضحى في المخيّمات إحدى عاداتنا. كنّا كثر ندرّب بعضنا البعض على النجاة مثل الجرذان. وكنت أقفز بين البكّائين على القبور ألهو قرب الميت الجديد، ألاحق فراشة أو أرتّب بعض الرمال لأصنع منها بيتاً لحذائي. كنت مسحوراً بذهاب الناس إلى المقبرة صباحاً وأنا صغير. كان يبدو لي المخيّم في صباح العيد حاشداً، يزحف وتتخابط الأجساد فيما بينها فأراها تدخل إلى أشدّ سراديب المخيّم عتمة “المقبرة”. وجهي كان يضيع بين أكتاف المارّة، أراهم يمشون ببطء لزيارة أمواتهم. وأمشي ممسكاً بطرف ثوب أمي ليدلّني إلى الطريق. في الطريق أعلّق نظراتي على المدى البعيد فوقنا. أرى المطر ينهمر ببطء استعداداً للعاصفة، فأخاف البلل. وأترنّح بين القبور باحثاً مع أمي عن قبر والدي الذي مات منذ زمن.

هناك تجلس الأم على حافة القبر وتقرأ الفاتحة. تسقي الزرع وتخبرني بينما تغرق عيناها في البكاء: “الشتي وحده بيكفيش القبر. أبوك بدو ميّ أعبيها أنا بإيدي”. لا أعير اهتماماً لكلماتها وترهقني زخّات المطر وبينما أقفز على القبور المجاورة لقبر أبي أرى النسوة حولي تتهيأن للبكاء.

اعتدت على يد الأم توقظني فجراً لأذهب معها لزيارة القبر، تضع يدها تحت غطائي الدافئ وتهزّ جسدي بهدوء “يلا اصحى”. وأصحو كما أنا صاح الآن. أدخل في الصباح على وقع رحلة أمي وتدفعني بيديها للنهوض فأنهض. وأتذرّع بالبرد لأتحاشى زيارة الوالد. تصمت وأشعر بالحاجة إلى احتضانها خوفاً عليها من الاختفاء تماماً مثل أبي. تمرّر أناملها على وجهي فأبتسم وأمشي وراءها. أعود طفلاً صغيراً.. الطفل الأخرس.

لم أزرها في العيد بعد موتها، فأنا لا أحبّ زيارة القبور. اكتشفت ذلك بعد موتها. فضّلت التوقف عن زيارتها في صباح كل عيد وفضلت البحث عنها داخل كل حكاية أخبرتني عنها. لكنني كنت دائم القلق، فهل هي تشتاقني؟ هل تحزن لأنني لا آتي؟ لا أعرف وأعتقد أنها تتفهم حاجتي للبقاء وحيداً في المنزل. بدت حكايتي في رؤوس الناس أكثر غموضاً، فأنا الأخرس الذي يسكن وحيداً بعد وفاة والدته والذي لا يفارق المنزل إلا ليحصّل رواتب أخوته الشهداء. في الحقيقة، أحببت نلك العزلة. وضعتني في تماس مباشر مع اللغة، وحاولت إفراغ كل ما أستطيع على الورق. لا أدري إن أردت يومها أن أصير كاتباً أو أن أكتب فقط. لكنني عرفت أنني الأرنب الوحيد المتبقّي في المخيم، لا زلت قادراً على القفز في التجربة. ربما التجربة هي التي توصلنا إلى حلّ ما لكلّ ما يسكن حولنا.

الحديث في الثلاجة يتعبني. هل عليّ تذّكر كل شيء لأخرج من هنا؟ “تذّكر”! يعاود إخباري الميت المجاور في الثلاجة القريبة منّي. يتابع القول: “تذكّر لتخرج”. أحاول إخباره أنني متعب من التذّكر وأنني أودّ الخروج مسرعاً لجلب الحذاء ونظارتي والساعة أيضاً. لا يعقل أن أموت بدون أدواتي. أحاول إخباره بكل شيء.. لا صوت.. فأنا أخرس. وهو لا يمكنه أن يقرأ إشاراتي أو إيماءتي فجدار الثلاّجة يفصلنا واحدنا عن الآخر. هنا فقط أكتشف أنني أخرس.

الثلاجة باردة والعري حقاً لا يناسبني. لطالما كنت أسخر من تضاريس جسدي النحيف وكتفيّ الملتويين. أبدو بنظارتي وشحوبي في الستين من عمري. أذكر حين كنّا صغاراً كيف هرعت لأبي عماد بينما كان يجلس كعادته أمام دار منزله الملاصق لمنزلنا. أخبرته حينها وبإشارات مرتبكة أنني أودّ الحصول على لقب مثلي مثل بقية التلاميذ في الصف. لقب مثل “أبو عمار”، “أبو إياد” أو حتى “أبو صالح”. عندها حدّق الرجل بي طويلاً، تأمّلني من فوق لتحت مرات عدة ثم قال لي: “ايش أعطيك أي لقب؟ انت لا شكلك حماس ولا فتح ولا حتى الجبهة الشعبية.. يعني بقصد شكلك بيشبهش حدا. لازم تنطر الوقت هوي بجبلك اللقب”.

وانتظرت الوقت المناسب كما طلب مني. ألتقي بأبي عماد كل فترة لأسأله عن اللقب وهل اقترب موعد حصولي عليه. وكان كعادته يعاود تأمّلي ليقول: “بعدك بتشبهش حدا”.

تميّزي عن الآخرين كان مزعجاً بالنسبة لي، كأنه يضعني تحت مجهر الضوء. فحكايتي تعبر على الألسن يومياً. هذا هو الأخرس الذي تعلّم في المدرسة ونجح في الدراسة وظلّ يقرأ. بدوت أعجوبة للبعض وحكاية تبشّر بذكائنا وقدرتنا على مقاومة الواقع. كنت عبقري المخيّم الذي يسكن وسط حارة التراشحة في الطابق الثالث المطلّ سطحه على بيروت. أبوعماد كان يعتقد أنني سأصبح كاتباً مشهوراً من المخيّم، فأنا وبحسب قوله نتاج المخيّم الجديد وهو نتاج ما يسمّى بما بعد أوسلو. حتى أنني صدّقت الحكاية وحاولت الكتابة وبالطبع لم أكتب شيئاً.

المهمّ، بدوت بمظهري الستّيني مربكاً للكثيرين أيضاً. لم تستهوني طقوس الآخرين المتعلّقة بضرورة الزواج وإنجاب أطفال كثر ليتضاعف العدد الموجود أصلاً. لم أكن من المحبّين للأطفال. ربما لأنني كنت أحمقاً في طفولتي. نعم، كنت أحمقاً. أمي تقول إنني كنت أبحث في المخيّم عن الورد الصغير الذي ينبت ويكبر فوق مياه الزورايب. وكنت أقفز فرحاً كلما وجدتُ عشباً صغيراً. ولم أتساهل في مسألة ضرورة سقي العشب والاهتمام به فهو نادر الوجود داخل المخيّم. كنت شديد الحزم في مراقبة الفرق بين ما نزرع نحن وما تصنعه الطبيعة وحيدة من دون أي تدخّل بشري. وكانت الفوضى التي تخلقها الطبيعة هي ما تنقصنا داخل المخيّم.  حقاً كنت طفلاً أحمق يعتقد أن الله يسكن في السماء وحدها وأن المطر بكاء السماء علينا. واعتقدتُ أيضاً أن للشجر أحاديث خاصة. فيوم أخذتني أمي برحلة معها اكتشفت مقولتي عن الشجر. يومها، كانت أمي قد بدأت تحضر دروس دين في الجامع حيث كانوا ينظمّون رحلات ترفيهية للعائلات أيضاً. ذهبت معها مرة إلى عالية وجلسنا هناك بين الأشجار مع الحجّات الأخريات. طفلان صغيران كانا أيضاً برفقة أمّيهما. بينما كنت في العاشرة. يومها جلست بقرب الأشجار ورحت أنصت إلى صداها. كانت تتحدث إليّ وكنت أشعر أنها تريدني أن أنام لأحلم. على الرغم من محاولات أمّي لإطعامي واللعب معي، بقيت شارد الذهن أنصت إلى الشجر.

لذلك كنت أحمقاً. ما الذي يدفع كائناً مثلي لقضاء أربع ساعات منصتاً إلى الشجر؟ لم أكن مكتئباً. الاكتئاب جاءني في الثلاثين من عمري، مباشرة بعد وفاة أمي. حاولت تحليل اكتئابي، إلا أنني فضّلت عدم الاقتراب من  فكرة أن وفاتها أثّرت علي. الحقيقة، حالة اكتئابي تعتبر من الحالات الأكثر حداثة، وكنت أفضّل تسميته بـ”اكتئاب الشتات”. الشتات كلمة لا يستهان بها وكنت أحرص على شتاتي وواضح في التعبير عنه. فلم أتوانى عن كتابة كل أنواع الاكتئاب الشتاتي الذي أعاني منه وبصراحة فشلت في التوقّف عن الكتابة لإنهاء حكاية ما. كانت الحكايات تدخل إلى الورق من دون استئذان. وهو ما سمّيته لاحقاً بالولادة المتواصلة. أبثّ الروح بحكايات لأقتل حكايات أخرى.

في المدرسة، اعتاد الأساتذة على فكرة أنني التلميذ الوحيد الذي لا يقرأ بل يكتب فقط. كنت أكتب إجاباتي وأعطيها للأساتذة كلما سئلت عن شيء ما. أمي تقول إنني توقفت عن الحديث عمداً وإنني يوماً ما سأفتح فمي لأنطق بكل ما يجول في رأسي. لم تكن تعنيني حالة النطق التي تحدثت عنها أمي. فأنا اخترت عدم النطق وهذا أمر محسوم عندي. لم أنطق في حياتي ولن أنطق في الموت أيضاً. أفضّل عدم التحدّث كي لا أخسر الهواء المتبقّي. الألمان بعد حروبهم فضّلوا الصمت أيضاً. يبدو لي أنني اخترت الصمت كالألمان وبصراحة هذا ما جعلني أكثر خفّة من المخيّم كلّه.

لم أفهم يوماً تلك السرعة الخاطفة في تعليق صور الشهداء بعد سماع نبأ موتهم، وكنت أتخيّل دائماً أن الصور تتحدّث ليلاً مع بعضها البعض. وتبدو لي وجوه الشهداء شاحبة تخبر عن الوقت وخوفها من المطر المفاجئ الذي قد يُذبل ألوانها. صور الشهداء لا تحبّ المطر ولا تحبّ الجدران حيث ترقد فوقها وحيدة. كنت أعتقد أنها تفضّل البقاء في القبور عوض حملها وتعليقها كانتصار آخر. كانت الصور تحتفل سوية كل مساء، تنتظر نوم الجميع لتتسلّل من صورها وتدور حول بعضها البعض باحثة عن مخرج من هذه اللوحة الكبيرة التي تسمّى المخيّم. رأيت الصور في أحلامي تخرج مثلما رأيت القطط تحفر القبور  لتنهض الأموات وتعود إلى السؤال. أعرف أنني مسكون منذ صغري بالموت. أتخيّله صديقاً لي يقترب منّي كظلّي، يحدّثني عن عالم آخر,ويغريني بمرافقته. كنت أخافه أحياناً. كان يشبهني! شيء ما يخيفني في عينيه. وكنت كلّما شعرت باقترابه أهرع إلى أمي لأختبئ  في حضنها، فتضحك وتربّت على كتفي: “بلاش تجيك حالات هلاء”. الحالات برأيها كانت لا تفارقني هي تقول إنني فريد من نوعي، وكانت ترفض الاعتراف بجنوني. أنا بنظرها لست مجنوناً، أنا فقط فضوليّ و”لي حالات”.

صدّقت أنني فضوليّ. وصارت هذه الصفة تلازمني في أحلامي وتظهر  بين حين وآخر. والآن، ينتابني النعاس في هذه الثلاجة. هل أحلم؟ لماذا لا أكسر جدار الثلاجة؟ لماذا لا أقف وأصرخ في وجه الزائرين أنني لم أمت. تُرى كيف يرون حكاية موتي؟ كلّ ما أذكره بعدما سقطت أرضاً من كثرة الضحك، أنني اختفيت. هكذا شعرت للحظة أنني لم أعد ظاهراً لنفسي. أضحكتني غرابة الحالة.. لقد فقدتُ جسدي بينما كانت تعلو أصوات الموظفين في المكتب. كانوا يضحكون ويضحكون وعندما اكتشفوا أنني متّ ضحكوا أكثر ثم عادوا للبكاء مستغفرين الله. لحظة واحدة وضعتني في نكتة ألقاها على مسمعي أبا وليد. إلا أنني أذكر كيف كنت في مكتب الشؤون الفلسطينية أنتظر تحصيل رواتب أخوتي الشهداء، وبينما كنت واقفاً هناك، اجتمع الكلّ حول نكتة ألقاها أبو وليد. وضحكت. نعم.. ضحكت طويلاً وكانت المرة الأولى التي أضحك فيها منذ وفاة أمي. ضحكت وضحكت حتى شعرت بالدوار وسقطت أرضاً وراحت تتقافذني الأيادي الضاحكة أيضاً. الضحك يعلو ويعلو وأنا أحاول السباحة في أرض المكتب. رأيتني أغرق. غرقت في النكتة! ضحكوا بشدّة بعدما اكتشفوا أنني متّ، ثم بكوا، ثم جفّفوا دموعهم وحفظوا الحكاية وبدأوا يخبرون قصة موتي وأنا هامد في الأرض جثّة لا تقوى على الحراك. كانت الحركة برهاناً على بقائي حياً فخسرتها وعرفت فوراً أنني متّ.

 

إنها المرة الأولى التي أموت فيها. لم يحدث أن متّ من قبل. يبدو أنني قد أحتاج المزيد من الوقت للتكيّف مع مسألة العزلة في الثلاجة. لا أعرف ان كنت سأرقد هنا كثيراً. هم يفكّرون في دفني غداً. لا أريد أن أُنسى في الثلاّجة طويلاً، فأنا لا أريد لتلك البرودة أن تترك أية علامات أو دمغات على جسدي. أذكر كيف توفي سعيد جارنا بالصدفة أيضاَ. كان سعيد سوري الجنسية متزوج من امرأة لبنانية من بيروت تدعى نفيسة وكان يقيمان معنا في المخيّم، وتحديداً في البيت الملاصق لبيتنا. كان وحيداً للغاية، لا يتحدث إلا قليلاً. يخرج كل صباح إلى عمله في عين السكة حيث يعمل في صبّ الحديد. يمشي صامتاً بخطى ثابتة، حاملاً سيجارته. يلقي في طريقه التحية على جميع من يصادف. نادراً ما كنت أراه يتحدث مع أحد. حتى أننا لم نكن نسمع صوته مع زوجته في بيتهما الملاصق لبيتنا! إلى أن رأينا سعيد يركض مسرعاً من البيت بينما تلحق به زوجته وتناديه: سعيد سعيد. بدا غاضباً. نفيسة ظلّت تبكي على باب بيتها بينما تتحلّق حولها النسوة للسؤال والاطمئنان ولم تكن تجيب أحداً. كانت تنظر إلى آخر الزاروب علّه يأتي أو يعود. وأذكر أنها بقيت جالسة حتى منتصف الليل. وكنت أنا جالساً على السطح أراقب المشهد منتظراً سعيد مع الزوجة. وصل سعيد ونهضت هي مسرعة أمامه. كان القمر جامداً فوق رؤوسهم والسطح بدى لي معلّقاً في الهواء. سيقبلان بعضهما مثل الأفلام الأجنبية التي نشاهدها في التلفاز، هذا ما قلته في سرّي. أو ربما سيغمرها ويمضي إلى الداخل، قد تهمس له كلمة تضيع في الهواء فلا يسمعها ويعاود الهمس في أذنها ويقول شيئاً ما.. لا يدركان وجودي وكل هذه الخيالات التي رسمتها، وكانت تحثّني على التبسّم. وكنت مرتعباً في الوقت ذاته أن تكتشف أمّي تسلّلي المجدّد إلى السطح ليلاً بعدما وعدتها ألا أصعد إليه عندما تغيب الشمس.

تخيلت كل شيء في ثانية واحدة مرّت على وصول سعيد إليها وهي جالسة منهكة على عتبة الباب. نهضت أمامه بفستانها الأخضر المعرورق بحبّات زيتون رمادية اللون. استدارت نحو الباب. مدّت يدها ببطء ودخلت ليدخل وراءها ويغلقا المشهد المتخيّل أمامي. لم يحكِ أحد حكايتهما بعد ذلك. كنت أعاود مراقبتهما من وقت لآخر لكنني لم ألحظ لاحقاً أي تغيير في سلوكيهما فظلّ سعيد بعد تلك الليلة يذهب إلى عمله باكراً، ويعود ليدقّ الباب فتفتح له نفيسة ويدخلان.

كنت أراهما أيام الأحد يرتديان ثيابهما الأنيقة، هو بدلة بنيّة اللون وقميصاً أبيض، وهي تنورة كحلية طويلة وقميصاً أبيض مطرّز الاكمام. كانا جميلين وهادئين، يخرجان في الصباح الباكر إلى بيروت ليزورا أهلها ويعودان مساءً. يمشي أمامها واضعاً يديه خلف ظهره، يطلق سعلة بين الحين والآخر.. وهي تمشي خلفه تتأمّل الأرض، تسرع قدماها للّحاق به. يصلان إلى المنزل ويغلقان الباب. كان الباب يخفي كل أسرارهما عني.

قبل وفاة أمي بثلاثة أشهر، رأيت للمرة الأولى باب بيتهما مفتوحاً. نفيسة تقف على عتبة البيت، تبكي كالأطفال الصغار، تمسك محرمة في يدها وتبدو خائفة وكأنها لا تستطيع تصديق ما رأته عيناها. مات الرجل وهو إلى جانبها. تقول إنه مات بهدوء وتحرّك رأسها لتتأمّل السماء ثم تعاود النظر إلى آخر الزاروب علّه يعود مثلما اعتادت أن يفعل دائماً. لم تكن قادرة على رؤيته. كل ما كان يدور حولها من ضجيج وهمسات كان لا يعنيها. فهي تعرف أن من مات في الداخل لم يكن سعيد. وكانت تعرف أيضاً أنها تحلم. ظلّت جالسة على عتبة الباب بينما تخرج أيادي الرجال جثته لتنقلها إلى المستشفى وتحوم حولها النسوة في محاولة لتهدئتها من كربها. لكنها فضّلت أن تشيح بنظرها نحو البعيد وتعيد ترتيب المشهد كما تريد. لم تقبل أن تذهب مع الرجال إلى المستشفى. لم ترضَ مرافقة جثّته. ظلّت جالسة وحيدة. الجميع كان مشغول بسعيد لترتيب وصوله إلى المشفى ثم تجهيز مكان للدفن. وفي الصباح التالي نهضت وأخبرت أهلها عن موت زوجها. أتوا إلى المخيّم ووضعوا بعض الكراسي في الساحة وعلا صوت القرآن. كان اليوم الأول بعد رقود الرجل في المستشفى. فكّروا في إمكانية دفنه في مقبرة المخيّم، وقام أحمد الأخ الأكبر لنفيسة بسؤال بعض المعزّيين. ومعظهم أجاب الإجابة ذاتها. بالطبع بإمكانك دفنه في المقبرة لكن لربما عليك استشارة إحدى المنظّمات أو المسؤولين مباشرة عن المقبرة في المخيّم. فسعيد سوريّ الجنسية والمقبرة تعدّ للفلسطنيين فقط. سأل أحمد المسؤولين المختصّين فاعتذروا منه عن عدم قبول غير الفلسطينيين في المقبرة لأنها لا تتّسع لغيرهم. ارتبكت عائلة نفيسة واحتارت في مسألة دفن الرجل. فكّرت في مقبرة الحرش فهي لبنانية وقد تكون مناسبة لدفنه هناك. وفعلاً قام أحمد الأخ الأكبر بالاتصال بالمسؤولين عن المقبرة وأيضاً اعتذروا منه قالمقبرة مخصّصة للبنانيين ولا تتسع لغيرهم. لم يستسلموا. راحوا يبحثون عن حل ما وبعض سكّان المخيّم راحوا يبحثون معهم عن مقبرة تستقبل الأموات حاملين الجنسية السورية ولم يجدوا. حتى تبرّع أحد أقرباء نفيسة بوضع سعيد فوق جثة أبيه المدفون في مقبرة الشهداء. ودفن سعيد بعد خمسة أياماً من رقوده في الثلاّجة وحيداً. وفي ذلك الوقت لم تفارق أمي نفيسة رغم الألم في رجليها جراء النشاف العصبي الشديد في شرايينها. الاّ أنها ورغم ذلك كانت تنزل على الدرج ماسكة يدي لتصل إلى بيتهم وتجلس بقربها بينما أظلّ أنا واقفاً أتأمّلهما وأحرّك جفنيي لأخبئهما من حدّة الضوء. لم يعنني كثيراً موت الرجل لكنني كنت لا أتوقف عن الرغبة بمراقبة كل التفاصيل الحاصلة أمامي. وكنت مذهولاً من تعلّق أمي بحكايتهما. فمنذ معرفتها بموت الرجل لم تتوقف عن البكاء قائلة مهمهمة من بين الدموع: “حرام.. صارت لوحدها”. كانت تحاول أمي كثيراً إيصال ألم الحكاية إليّ لكنني بقيت على مسافة بين حكايتها وبين ما أريد أن أحكي. كانت تتحول علاقتي مع الوالدة في تلك المرحلة إلى علاقة أبوية أديرها أنا. فهي غدت فجأة طفلة تنتظر قدومي إلى البيت لتنصت وتلعب وتضحك وتنام. وصارت حكاياتها تتقلّص وتصغّر مفرادتها وبدت لي غير قادرة على إشباع مخيّلتي. المخيّلة التي رغبت حينها ببنائها وحيداً بعيداً عن حكايات أمي. لذلك حينما كانت تريد لفت انتباهي للحديث معها تخبر قصتها الصغيرة وتسكت علّني أعلّق وأحرك قدميّ أنا لأهمّ بتحضير اليانسون إليها فتشربه وتنام.

صغرت الحكايات في ما بيننا بعد موت سعيد لتصير حكاية نفيسة حكايتها. فهي أيضاً مات رجلها بين يديها وبنفس الطريقة. لهذا اعتبرت أمي أن هناك إشارة ما بين المرأتين.

 

لم يكن لسعيد مخيّم أو قطعة أرض وهو غريب. أتى من سوريا للعمل وهنا اكتشف الحب. فتزوّج وهرب في الحرب مع الذين هربوا ووجد نفسه فجأة يعيش داخل المخيّم. لا يعرف أحداً ولا أحد يعرف عنه شيئاً. كان صامتاً متواضعاً لهذا أحبّه الجميع واحترموا رغبته في إبقاء مسافة بينه وبينهم.

“لم يأتِ الكثير من الناس إلى دفن الرجل”. هكذا تبدأ أمي حكايتها ليلاً.. “لما مات أبوك الناس كلها اجت. بتَذكرش مين ما اجاش عزّا”. تسكت قليلاً لتؤكد أن الذي يموت خارج أرضه يموت وحيداً. وفي الليل أصحو على يد أمي تنكزني تماماً مثلما كانت تفعل وأنا صغير. أستيقظ مسرعاً، معتقداً أنها تتألم. حينها أيقظتني لتخبرني عن حلمها. “ زارني سعيد في المنام ناقلاً اليّ رسالة اليك”.

ماذا تقول الرسالة؟

“كان بالمنام قاعد على الارض وعم يعمل ناي من خشب الخيزران، وخير اللهم خير، قلي قولي لابنك منيح الي ما خبيت وجهك تنضل نشوف وجه الله”. ولم أفهم.. حاولت البحث في حلمها عن معنى، عبث فعلت. كانت أمي سعيدة. فبرأيها أنني أخرس مبروك. “فيني البركة” كما يقولون. لكنني عرفت أن هناك شيء ما  أراد الرجل في الحلم إخباري به. ربما كان يقصد أنني كنت دوماً عاري الوجه. فعلاً، أعتقد أنه كان على حق. فأنا لا أذكر أنني ادعيت شيئاً لا أحبّه أو حتى تملّقت لأحد لأمرّر ما أريد. أنا أصلاً لم أرد شيئاً. كنت مكتفياً ببعض الحمام الموجود على سطح بيتنا. حتى بعد أن تغيّر المخيّم، ببساطة لم أتغيّر معه. لم أصبح فرداً منتمياً إلى حماس أو إلى فتح. الجميع يقول إنني لم أكن أشبه أبي في حبّه للسياسة.

أبي كان مسؤولاً في فتح. وكان يعمل كما كانت تقول أمّي مع أبي عمار. لكنني لم أرَ ولا صورة له معه. وبالنسبة لي كان أبو عمار إشكالية أخرى. كنت أحسّ كلما نظرت إليه بأنني أعرفه أو بأنه لم يمت. الرجل كان وسيماً وخاصاً والكوفية بدت معه أكثر جاذبية. ووالدي وبحسب أمّي أحبّ أبا عمار كثيراً وترك كل عائلته ليلحق بالمقاومة الفلسطينية عند مجيئها إلى بيروت. تحتفظ أمي برسالة واحدة وصلت إلى والدي من جمال عبد الناصر يشكره فيها باعتباره بطلاً من المقاومين الفلسطينين الذين لا زالوا يؤمنون بالعروبة. أمي تقول إننا كنّا فقراء والثورة لا يحتضنها إلا الفقير أحياناً. وكان أبي حالماً بالثورة، يمشّط شعره وكأنه تشي جيفارا عصره، ويتحرّك أمام النسوة في شارع الحمرا كأنّه يعرفهنّ جميعاً.

والرسالة هي آخر ما تبقى من ذكريات أبي عن تلك المرحلة. أمي أحرقت كل شيء بعد موته. قالت إنها فضّلت إحراق كل صوره كي لا تهبّ العاصفة مرة ثانية فنحاسب على ما فعلناه في تلك الصور. لم أفهم جبنها.

لم يجد أبي في انتمائه لفتح بعد رحيل المقاومين الفلسطينيين ما يبشّر بمخطّط جديد. كان يسأل نفسه: “ما الخطّة الآن؟”، لقد تغيرت كل أشكال اللعبة ودخلنا زمن السلام. هو لا يفهم هذا السلام ولم يرد أن يفهمه. لم يفلح في تحويل ما كان يستطيع تقديمه للبلاد من حياة يحملها على راحة يده ويركض حاملاً رشاشه إلى كرسي في مكاتب تؤكد حصولنا على قطعة صغيرة من البلاد بينما كان بإمكاننا جلب البلاد كلها.

بدا أبي عالقاً بعد حرب بيروت في المخيم، لا يخبّئ اشتياقه لبيروت ولشارع الحمرا ولا حنينه إلى زيارة المحلّات التي كان يقطن فيها مع المجموعات المقاومة. كانت لديه ذكريات فضّل عدم الحديث عنها وأمي فضّلت بدورها حرق قسم كبير منها. وهكذا وُجدت أنا معتقداً أنني الوحيد القادر على جمع شتات الحكايات لأختلق حكاية جديدة.

ظلّ أبي يعمل كناطور في مدرسة الأنروا التي تقع في آخر مخيّم البرج. كان يذهب إلى هناك بشكل يومي ما عدا أيام العطل حيث كان يقضيها جالساً مع أبي عماد في وسط الحارة. كان يتأهّب للنزول إلى مركز الاجتماعات مع أبي عماد في وسط الحارة. يرتدي عباءته البيضاء ويضع الكوفية حول رقبته ويجلس بقرب صديقه. لا يتحدّثا كثيراً، فقط يكتفيان بالتأمّل. كانا يبدوان لي أنّهما يستجمّان في بلاد أخرى، يجلسان كما في التلفاز قرب البحر ويشربان زجاجة البيرة ثم يفكّران بالنوم أو بالصيد. وكنت أتساءل هل كانا ليفرحا أكثر لو قاما برحلة الاستجمام هذه؟

أحياناً أشعر أنني لن أكبر. علقت في لحظة من الزمن وبدوت هناك أجمل مما أنا عليه الآن. وأنا في الثلاّجة لا أكبر أيضاً.. ذكرياتي تعود إلى الوراء فتصغر وتصغر وتتقلّص كلما حكيتها. المضحك أنني كلما صغرت وقلت حكايتي، يصغر جسدي معي. ويبدو لي هذا الأمر غريباً نوعاً ما. أقصد أنني حقاً سأبدو مدهشاً وأنا أمشي بلا جسد يحدّ من مساحاتي وتحرّكاتي. لماذا لا أعتقد أنني قد أصبح  قادراً عندها على دخول فتحات الأبواب المغلقة. لطالما كرهت الأبواب المغلقة. شيء ما وراءها يشعرني برغبة في التقيّؤ.

أول مرة أحسستُ بتلك الحالة يوم فتحت باب غرفة والديّ ووجدت أمي تسرّح شعرها وتحضّر نفسها للنزول. كان يبدو على أبي أنه في نوم عميق وحين حاولت الاستفسار عمّا يجري، علمت بموت أبي. وكان باب غرفتهما مقفل. بعدما فتح الباب على المشهد رغبت حقاً بالتقيؤ. لكنّني فضّلت احتمال المشهد ومراقبة سير عملية الدّفن والعزاء وأمي. ومنذ ذلك الوقت، ترعبني صورة الأبواب المغلقة وتضعني أمام خيالات عدة حول المشهد الذي قد يفاجأ به أحدنا عند فتح الباب.

 

تذّكر.. أتذّكر الشعارات في المظاهرة التي مشى بها أهل المخيم بعد وفاة أبي عمار. وجوه هائمة تجول في مكان ضيق، تصيح لنفسها بنفسها. طعم من الوحدة لا أعتقد أنني قادر على وصفه. هو مزيج من كل شيء. مزيج من الحب الذي غاب مع غياب الرجل. أبو عمار الذي عُلق في شوارع مخيمهم، كانوا ورغم اختلافاتهم السياسية يحبّونه أو على الأقل يعرفون أنه يشبههم. لقد تُركوا هكذا.. مات الرجل وهم البعيدين عن البلاد، البعيدين عن كل شيء. كانوا في زواية من الأرض بعيدة يحاولون التحرك في مخيمهم وكأنهم هناك.. في جنازته. وكانت أصواتهم وهتافاتهم تعلق بأذنيّ، وتنتابني القشعريرة كلّما سمعتهم يغنّون النشيد السابق لفلسطين: “موطني” والذي غيّره أبو عمار واستخدم قصيدة “فدائي” لتكون النشيد الوطني الرسمي. لكن الناس في المخيم غنّت له “موطني” مرات عدة، وفكّروا في إشعال الشموع إلا أنهم خافوا من اندلاع حريق ما داخل الحارة. فاستعملوا أضواء المصابيح الصغيرة وتركوا أصواتهم تنوح إلى الأعلى علّها تسبح في فضاء بيروت كلّها. صوت الهتاف كان واحداً. عرفوا أن الحبل قُطع بهم. وشعروا أنهم أصبحوا اليوم بلا أرض. وموعد العودة بات حلماً لا يزورهم إلاّ نادراً. كانت فلسطين بعيدة جداً عن متناول أقدامنا وعيوننا، لكننا تعلّمنا جميعاً أن نراها داخل المخيّم. ولكن في جنازة أبي عمار بدأت أشعر أننا بتنا مخيّماً قائماً على أعداد كثيرة من اللاجئين. لا أعرف هل كنت أتخيّل أم أنه كان حقيقة؟ كنت أرى الجموع تمرّ أمامي، وفجأة يتحوّل كل شيء من حولي إلى حريق كبير. المخيّم يحترق وشرائط الكهرباء تهبّ بنا. الصورة بالطبع لا تُصدق إلاّ أنني تخيلتها. أمي تصف موت أبي عمار بأنه “موت العارف”. بعد موته مشى الناس في المخيم بلا أي تحضير. أمي تقول إنهم كانوا أشبه بالعائمين في مياه عكرة.

تذّكر.. لم أعد أريد أن أبوح بما في داخلي للميت المجاور. أعوي، أصرخ، أرتطم بالثلاجة.. لم أعد أريد الموت في ذاكرة المخيّم. أريد لي ذاكرة جديدة فارغة. أريد ثلاجة أخرى. لا أريد كل هذه الحكايات. أريد أن أنهض. أن أشرب الماء.. الكثير من الماء المالح.

ابتعد عنّي أيها الظلّ الغبي.. لقد مات ظلّي أيضاً. أتنفّس قليلاً.. وأغمض عينيّ. شيء ما يصيبني بالدوار. أتذّكر. في الموت ألفظ ذاكرتي وأعاود الحياة في الحكايات التي أسرد.

الثلاجة باردة، جسدي بارد، المخيّم كلّه داخل الثلاّجة.. من وضعنا هنا؟ ولماذا لم نعلم أننا نسكن الثلاجة سوية. منذ متى ونحن في هذا الضيق؟ أنا أتنفس.. المخيّم يتنفس معي.. الثلاجة تغرق بالنفس. الموت تنفّس طويل. أتذّكر..

أمي أريد أن أرى ساعي بريد..

-يمّا البريد بيوصلش لعنا على المخيم.. ادخل في النوم. سلّم للنوم الحكاية… قول للنوم ينام..

 

انتهت

كُتبت قصة “أنيس زكريا ـ قول للنوم ينام” كجزء من مشروع بيروت للقصص القصيرة و هو تعاون بين KfW Stiftung و معهد Goethe لتعزيز المواهب الأدبية الشابة في الشرق الأوسط, ويتضمن المشروع ورشات عمل للشباب الذين يكتبون باللغة العربية والذين يطورون القصص القصيرة تحت اشراف كتّاب مشهورين من بينهم عباس خضر و ديما ونوس. يتم بعد ذلك ترجمة أفضل النصوص ونشرها بالعربية و الانجليزية على موقع adda

About the Author

ا صيداوي

ميرا صيداوي ممثلة, مخرجة و كاتبة فلسطينية. حصلت على دبلوم مسرح من الجامعة اللبنانية .
انتجت ميرا فيلمها الاول “مخيم على أربع عجلات” في 2015, ومثلت في عدد من الأفلام القصيرة و الافلام الروائية من ضمنها فيلم “الإذن” , “وطن بديل”, و “نفسي”. كما أنها اشتركت في كتابة والتمثيل في مسرحية “أيوب” التي تتناول قصة امرأة فلسطينية في مواجهة العوائق والصعوبات. تحضر ميرا حاليا لفيلمها الروائي الأول الذي تجري احداثه بين برج براجنة و مخيم شاتيلا.

Related Articles